.
.
.
.

القانون يخمد الجدل

مها محمد الشريف

نشر في: آخر تحديث:

بقدر ما يكون المجتمع مصدر الوعي الأساسي للواجب الأخلاقي بقدر ما يتضاءل التخاذل بين الناس، وبقدر ما نعمم أنماطاً مختلفة من السلوك التي تقوم عليها التنشئة المثالية على قدر ما نستخرج منها خصائص الواجب الأخلاقي، ونستطيع القول إن النوع البشري هو نتاج للواقع الديني والاجتماعي والسياسي والقانوني، فإن غاية الدولة تحقيق الاستقرار الأمني والمادي والمعنوي، وإرغام عناصر الفوضى على الامتثال، وإزالة العوائق التي تقسم المجتمع وتحول دون أهداف القانون وتطبيقه، بينما يؤكد "لينين" فيما كتبه عن مجتمعه قائلاً:

(إننا لا نستطيع أن نتخيل ونعبر ونقيس ونوقف الحركة دون أن نوقف الاستمرار، ودون تبسيط، ودون تبشيع وتفكيك، وخنق ما هو حي، إن تمثيل الحركة بواسطة الفكر دائماً ما يجرح ويقتل، ويثير البلبلة فليست الحركة هي السبب، وإنما ما يكمن فيها من جدل)،

والحالة التي ينتابها هذا الإحساس المفرط بالمسؤولية من أطراف تتمتع بالشهرة ولها تأثير مباشر على المجتمع، والتي عززت العدوانية داخل الكائن البشري بدعوى المسؤولية، فتجده يكبّر وهو يرفع رأساً مقطوعاً باليد الأخرى، وتحريضاً يشن حروباً لا هوادة فيها بين أطياف المجتمع الواحد وأحياناً في الأسرة الواحدة، واحتلال مسافة بين الصواب والخطأ مبهمة، وأشهاد على الواقع يطلقون نسباً مطلقة، يتعثر خلالها النزاع إلى تسوية منطقية، بل انحياز كامل أو عداء كامل، مما يسبب خطراً مائلاً في كلا الاتجاهين،

وهناك قوة إلزامية تلبس دور المسؤولية وتدخل من باب الجماعة إلى زوايا مظلمة، وتركن إلى مسارات بعيدة تختلف جذرياً عن الموضوعية، وصخب يؤدي إلى نشاز في حضرة القانون، وهدم أخلاقي إنساني يقع تحت سيطرة شروط محددة، فيظهر الخلاف والاختلاف بين الطبقات والتوجهات والمذاهب، ويكون العقاب هنا على قدر مفهوم الوعي السائد، وتحجيم تلك الأدوار والأشخاص الذين يديرونها أو يتقمصها كل واحد فيهم، ليس الهدف البحث عن تلك المشكلات من خلال التجارب الفردية والشخصية، وإنما من خلال ردة الفعل، وأحداث الشغب التي تعبر عنها بعض المواقف، كرفع شعارات والتكتل خلف أسماء لها صيغ مكررة منذ القدم، فلا نجد لها قانوناً واضحاً يعاقب عليها بالخصوص، وإنما نجد قوانين عامة وحقوقاً لها أحكام تعمل على ترسيخ القانون، وليس تقويم أو تجريم العمل بذاته، وإنما ترجئه إلى أصل الفعل، لذلك حصلت تلك الفوضى.

إن إدراك مبدأ التدرج في تناول وطرح المشكلات، يحقق نتائج تقديرية مقبولة، وبالتالي يرصد المضامين الغامضة، ويعمل على تقويم السلوك الخاطئ الذي يثير البلبلة، ويحث القدرة على فهم الوظيفة الأساسية للقانون في نظام الصراعات وتعدد المسارات السياسية والحزبية، ويتعين على رجل الدين والمثقف العقلانية في غياب اندماج كثير من الاستراتيجيات المعاصرة مع خصوصية الماضي، وتسييس القضايا الاجتماعية، (فقد أثبت "فولتير" في فرنسا نموذجاً عن هؤلاء المثقفين باعتباره حاملاً لدلالات وقيم يمكن للجميع أن يتعرّف فيها إلى نفسه)، وتطور نشأ عن أشياء دقيقة وتأثر خالص، يحرض على الاهتمام بالبنى التقنية العلمية في المجتمع المعاصر، مما يجعله يعرض نفسه للمخاطر والصراعات الظرفية واستغلاله من أحزاب سياسية، لأن المثقف يخوض في قضايا لا تخصه ولا ينتمي إليها ولا يحقق سوى اهتمامات ضيقة لا تضيف له إلا القليل، ومن جهة أخرى فإن القانون يشرع سيادته، وعلى الجميع احترامه وتطبيقه، حفاظاً على حقوق الناس واستقرارهم، والحرص على مقتضيات الالتزام التي تحقق السلام الاجتماعي.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.