الواقفون على الأبواب

محمد أحمد الحساني
محمد أحمد الحساني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

جلست في مناسبة اجتماعية مجاورا لرجل كان يعمل موظفا حتى أحيل على المعاش بموجب النظام، أي أنه أكمل ستين عاما بالتمام، وكان تقاعده قبل مجالستي له بنحو عشرة أعوام، فكان «الفراغ» الحاصل بين حضور المناسبة وانصرافي منها فرصة لتبادل أطراف الأحاديث معه حول أمور شتى متصلة بالحياة والأحياء، فلما تطرق الحديث إلى حياته الوظيفية التي امتدت نحو الأربعين عاما، وجدت في تلك الحياة ما يستحق التوقف والمقارنة بصور أخرى قائمة على أرض الواقع، لعل في ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!
وكان من بين ما أشار إليه مسترسلا في حديثه بأنه على مدى أربعة عقود لم يطلب ــ بمبادرة منه ــ مقابلة رؤسائه في العمل، وإنما كان ينجز ما يحول له من معاملات بطريقة دقيقة أمينة موافقة للنظام، ويرسلها إلى المدير المختص للتوقيع عليها أو إعادتها إن كان لديه حولها ملاحظات، وإنما كان يستجيب لطلب رؤسائه مقابلته إن هم أمروه بذلك، فيكون الطلب منهم لا منه؛ لأنه ــ على حد قوله ــ وجد أن معظم من يلح على مقابلة رؤسائه في العمل، إما أنه يفعل ذلك تزلفا ومحاولة منه للتقرب إليهم وتقديم نفسه على أنه القوي الأمين حتى يعطى المراتب والمراكز الوظيفية التي يسعى إليها، وربما استخدم في سبيل هدفه النميمة والكيد ضد زملائه في العمل الذين ربما يقومون بالدور نفسه ضده ردا عليه وجزاء له ولأمثاله، فتصبح الإدارة كلها ساحة للقيل والقال، وإما أن يكون الذي يلح في طلب مقابلة رؤسائه حاملا بين يديه المعاملات المنجزة المعدة للتوقيع لديه نية لتمرير معاملة أو أكثر غير نظامية سبق له وعد صاحبها بتمريرها مقابل رشوة، فإذا نجح في ذلك «فاز بالحرام»! وإن لاحظ المدير أن المعاملة غير نظامية تغابى واعتذر عن سوء فهمه للنظام وانسحب من أمامه ذليلا مخذولا، فإذا قابل صاحب المعاملة قال له: ما مشاها عساه الكساح؟!، ولكنه يعاود المحاولة مرة أخرى لعل وعسى، فإن لم ينجح كمن مثل الأفعى في جحره منتظرا اليوم الذي يغادر فيه ذلك المدير الحصيف موقعه ليأتي غيره قد يكون أكثر مرونة منه في السماح بتمرير الشاحنات!
ولما سألته عن وسيلته للحصول على حقوقه النظامية من الترقيات والبدلات والمزايا التي يضمنها النظام ما دام أنه لا يزاحم عيلها غيره «بالمناكب»، أجاب قائلا: إن الأرزاق كلها بيد الله، وما هو لك لا يمكن لأحد غيرك أخذه منك، فلا داعي لبذل ماء الوجه من أجله، وإن ظلمك مديرك في العمل وأعطى حقك لغيرك، فقد اقتطع لزميلك ما ليس له فيه حق، وباء الاثنان بالإثم والخسران المبين «ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب»، ومن ذلك أنه يبارك للعفيف النظيف في ماله وولده، فيكسب في شراء أرض وبيعها أضعاف أضعاف ما سلب منه لعدم ترقيته ويرى في بنيه النجابة والاستقامة، بينما يرى الذين يأكلون السحت ويؤكلونه لأبنائهم وبناتهم عدم التوفيق في حياتهم ودراستهم، وكل لحم ينبت من سحت فالنار أولى به، فمن هو الفائز ومن هو الخاسر في هذه المعادلة؟!
وكنت أستمع إلى الرجل المسن بإنصات وتدبر وأقلب كلماته ومواقفه معجبا بها مقدرا لها، حتى جاء صوت صاحب الدعوة ليقطع علينا حديثنا بقوله: هيا تفضلوا على العشاء!.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.