أن تعيش في اليابان!

علي سعد الموسى

نشر في: آخر تحديث:

لم تحقق فكرة من أفكار التنمية الوطنية عدالة في التوزيع الجغرافي المتوازن مثلما حققه برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، هذا فعل وطني يحسب للإخوة الكرام في وزارة التعليم العالي الذين جعلوا من المعيار والدرجات مقياسا ومواصفات للأحقية والأهلية.
خرجت قبل البارحة من اليابان سعيدا بهذه الوجوه السعودية الشابة التي اختارت اليابان مكانا للبعثة رغم حاجز اللغة الصعب، ورغم التحدي مع القيم الثقافية والاجتماعية للمجتمع المستقبل التي تختلف تماما عما تعودنا عليه في كل ما سبق من تجربة الابتعاث.
قابلت في اليابان شابا من مسقط رأسي، وودعت في الساعة الأخيرة آخر من سكان "حارتي"، مثلما قابلت بينهما شبابا من كل اتجاهات البوصلة السعودية.
وللأمانة فهؤلاء الشباب يواجهون تحديات العيش والاندماج في مجتمع عرقي مغلق لا يقبل الغرباء، مثلما يواجهون تحديات النجاح في إطار منظومة تعليمية بالغة التطور.
هؤلاء برهان مثالي على أن تجربة الابتعاث في حالات قليلة ليست فرصة سياحية، بل مغامرة لها ثمنها الباهظ وتكلفتها الحياتية الكبيرة.
اكتشفت في اليابان أن الترفيه ووسائط الحياة الاجتماعية لا خانة لها أمام جدول العمل، ومذهل جدا لمثل من درس في الغرب أن يكتشف أن الجامعة اليابانية في حالات كثيرة تفتقد حتى أبسط أركان فكرة الأندية الطلابية.
على مأدبة رجال أعمال اليابان، وجدت صدفة بجواري شابا سعوديا اسمه حسن جميل، ابن رجل الأعمال السعودي محمد عبداللطيف جميل، كان بلا خيار أول أو أصغر سعودي يذهب للدراسة في اليابان من الأولى الثانوية حتى أنهى درجة الماجستير بعد رحلة طويلة.
ثمان سنوات من الدراسة حولته إلى "آلة"، ومن فرط إشفاقي عليه وهو يحكي لي تجربته سألته السؤال العاطفي: هل بكيت ذات مساء من قسوة التجربة؟
كل شيء ستجده في اليابان، من العلم إلى التقنية إلى ثقافة الإنتاج، لكنك لن تجد فيها لمحة الحياة وعواطف الإنسان ولربما، ولهذا السبب، تتصدر طوكيو مدن العالم الكبرى والصغرى في عدد حالات الانتحار، رغم أنها "على النقيض" تفتقد الجريمة المنظمة.
هو الهوس بثقافة الإنتاج، مثلما هو الولع الشديد بفكرة "الآلة"، حتى وصلت إلى حد تحويل الفرد إلى ماكينة.
ينتحر الياباني حين يفقد القدرة على التنافسية المخيفة.
الياباني مثال صارخ للمثال المتطرف في فهم فكرة النظرية الرأسمالية!

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.