.
.
.
.

يا ليت البنوك تفعلها

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

هناك مثل مصري يقول: اللي معاه فلوس تحيره، يشتري له حمام ويطيره.
ويبدو أن أحد الأشخاص المجهولين قد سمع بهذا المثل وأعجب به، وبدلا من أن يشتري له حماما ويطيره، اختصر الموضوع وطير (الدراهم) بدلا منها.
فقد جاء بالأخبار أن هناك مجهولا رمى بكيس ممتلئ بمئات الألوف من الريالات في الطريق ما بين جدة وجازان، وبالتحديد في المنطقة الواقعة ما بين مركز (القويز) وبلدة (الدعاشيش) جنوب القنفذه، وتناقل الخبر الأهالي، ليشهد المكان تجمعا للباحثين عن الأوراق النقدية التي تطايرت على جانب الطريق، الأمر الذي استدعى تدخل رجال الأمن لفك هذا التجمع وتسهيل حركة المرور التي توقفت تماما من جراء ذلك التزاحم والتكالب.
وذكرت إحدى الصحف أن الجهات الأمنية تحفظت على مبالغ تجاوزت عشرات الآلاف، فيما جمع الأهالي منها مئات الآلاف، غير أن المشكلة أن الرياح في ذلك الوقت كانت سريعة جدا، ما حدا ببعض الأشخاص للعدو عدة كيلو مترات للحاق بالأوراق النقدية من فئة الخمسمائة ريال، وقيل إن عمليات البحث والتحري ما زالت قائمة لمعرفة مصادر هذه الأوراق النقدية، والهدف الغريب من بعثرتها بهذه الطريقة العجيبة، وقيل إنها كانت تتجاوز (مليوني ريال).
وقبل مدة كنت مسافرا برفقة أحد الأشخاص، وعندما وصلنا إلى نفس الموقع طلبت منه أن يتوقف، وأخذنا نبحث ونلف وندور لمدة ثلاث ساعات كاملة ولم نحصل إلا على (التبن)، فقد طارت الطيور أو النقود بأرزاقها، وهناك احتمال أنه لم يردها غير مرتفعات الباحة.
وبنفس الطريقة ــ ولكن على أخف ــ فهناك رجل أمريكي صرف عشرات الآلاف من الدولارات في مدينة (بوسطن)، وأخذ يخفي كل عشرين دولارا في مكان مجهول، ونشر إعلانا في إحدى الصحف لكي يبحث الأهالي عنها، ومن وجده منها فهي له، وحجته في ذلك أنه يريد أن يسعد الناس في اكتشافها، وفعلا عمت الأهالي فرحة ما بعدها فرحة، وتدافعوا للبحث عنها، إلى درجة أن الكثير من الموظفين تركوا أعمالهم، والكثير من الطلبة تركوا مدارسهم وكلياتهم، ما جعل الجهات الرسمية تعلن حالة الطوارئ، وقبض على ذلك الرجل وأودع السجن؛ لأنه تسبب في تلك الحالة المربكة التي عطلت كثيرا من المصالح في المدينة، غير أن نقابة المحامين تصدت لعمدة المدينة، ووكلت عشرات المحامين للدفاع عن ذلك الرجل الخير، وقلبت الطاولة على العمدة وأفرج عنه، وخرج ذلك الرجل من السجن محمولا على الأعناق، بل وفوق ذلك رفعوا دعوى على المسؤولين لأنهم شوهوا سمعة الرجل، وكسبوا الدعوى بتعويضه مئات الآلاف من الدولارات، وفي مشهد تلفزيوني مثير تبرع ذلك الرجل بتلك المبالغ التي يسيل لها اللعاب للجمعيات الخيرية.
وقد حاول الأهالي بعد ذلك منه أن يترشح كعمدة للمدينة، إلا أن ذلك الرجل اعتذر بكل أدب.
يا ليت البنوك عندنا تفعلها، مثلما فعلها ذلك (المجهول) ما بين جدة وجازان.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.