.
.
.
.

جامعة البنات الجديدة في الملك سعود ... حلم تحقق بعد طول انتظار

فوزية البكر

نشر في: آخر تحديث:

لم أصدق بعد أن عدنا من الصيف أن سيارتي تدلف فعلا في الحرم الجامعي النسائي الجديد على طريق الأمير تركي في مدينة الرياض بعد انتظار دام لسنوات طويلة حتى بدا الحلم معها وكأنه يتوارى تحت ظلال البيروقراطية وتعاقب الإدارات وها نحن اليوم وفعلا نمشي داخل الأروقة والكليات الجديدة وننعم بالقاعات الواسعة المجهزة ولا نجد صعوبة في حجز قاعة أو مدرج كما اعتدنا في مباني (عليشة) الطيبة الذكر.

المدينة الجامعية الجديدة للسيدات والتابعة لجامعة الملك سعود هي في اتساعها وتعدد مبانيها وحجم الأموال والجهود التي استثمرت فيها مثالا حقيقا للنهضة الجامعية التي نشهدها في عهد خادم الحرمين الشريفين والذي توج ومنذ صعوده العرش عام 2004 بازدياد عدد الجامعات إلى 38 جامعة وبتوزيعها على مختلف المناطق تلبية لاحتياجات السكان المحلية وبتنويع المشاريع التنموية وتوزيعها على سكان المملكة كافة.

لن ننسى أن الكثير من الجنود المجهولين نساء ورجالا في جامعة الملك سعود بقسميها العلمي والإنساني وقفوا سنين طويلة خلف هذا الصرح بتفاصيله الدقيقة من مبان ومعامل وتجهيزات طبية ومكتبية ورياضية وخدمية حتى يكتمل ولا زال العمل أمامهم طويلا حتى يكتمل الصرح بتجهيزاته وما علينا إلا الصبر والدعاء لهم بالصحة والتوفيق.

جامعة بهذا الحجم الهائل وبهذه الاستعدادات التي يصعب أن تتوافر في أي بلد بحاجة أيضا إلى رؤيا جديدة لمفهوم التعليم الجامعي النسائي الذي اعتدنا إن نؤطره داخل مفاهيم لا تصلح إلا لمدارس ثانوية على الأكثر لكنها لا يمكن أن تكون فلسفة للتعليم الجامعي العالي. سأقصر حديثي اليوم على مداخل الجامعة ففلسفة التعليم كبيرة جدا ومتشعبة لكننا سنكتفي بما هو ظاهر تماما للعيان وهو بوابات الجامعة!

من يراقب كيف يتم التعامل مع المؤسسات النسائية للتعليم العالي سيرى كيف تمكنت طيبة الذكر الرئاسة العامة لتعليم البنات والتي سيطرت على تعليم المرأة في السعودية منذ إنشائه عام 1959وحتى العام 2004 حينما تم دمجها إداريا تحت مظلة وزارة التربية والتعليم أقول :كيف تمكنت هذه المؤسسة المنقرضة من فرض معاييرها على تعليم المرأة ككل وعلى تعليمها الجامعي على وجه الخصوص وهي التي رعت ذلك التعليم تحت مظلة وكالة الرئاسة لكليات البنات التي لم تتجاوز رؤيتها للتعليم الجامعي النسائي آنذاك بأكثر من أعداد هذه المئات من الآلاف المتخرجة من الثانويات للدخول لكليات المعلمات التي نشرتها في كل المناطق ليتخرجن معلمات يدرسن في مدارس البنات وهذا كان أقصى حدود التصور والطموح لوكالة الكليات التي أغرقت برؤيتها الضيقة تلك سوق العمل السعودي لسنوات لاحقة بمئات الآلاف من خريجات القطاعات التربوية والدراسات النظرية التي لم يجدن عملا في القطاعات التي تم إعدادهن لها فقبعن في بيوتهن عشرات السنين في انتظار جودا الذي لا يأتي أبدا!(انظر خطة التنمية الثامنة : فصل المرأة والأسرة).

الرؤيا الإدارية والتنظيمية لتلك الكليات أن أمر افتتاح كلية لا يتطلب أكثر من مبنى ثانوية به فصول في ممرات طولية وتسمى أقساما وتحضر الطالبات صباحا ليغلق عليهن الباب الذي يقف أمامه كهل ملتح يهش البنات ويمنعهن من السؤال عن سيارتهن حيث يحضر وليهن بعد الظهر وبعد خروجه من مكتبه الحكومي لاستلامهن والعودة للمنزل حتى صباح اليوم التالي حين يعدن مرة أخرى لفصولهن الدراسية التقليدية.

لم تعرف الكليات معنى الحياة الجامعية أو التخصصات أو الساعات الحرة أو الأنشطة اللامنهجية أو المكتبة العامرة أو مما يحق لطلبة الجامعة في العادة الاستمتاع به, انتهى الأمر بكل هذه الجيوش المسيسة لحماية النظام الاجتماعي التقليدي بأدوار المرأة التقليدية التي تمكنت من القراءة والكتابة لكنها ازدادت تجهيلا في وعيها العام والخاص.

المشكلة ليست الآن إن هذا النموذج قد وجد وشوه وجه التعليم الجامعي النسائي في المملكة والذي انتهى بحمدلله إلى غير رجعة. المشكلة أن هذه النظرة القاصرة والدونية والمتحفظة لوجود المرأة ولحركتها في المؤسسات النسائية الجامعية انتقل لكافة المؤسسات النسائية الجامعية الموجودة اليوم في مدن المملكة.

ليست العبرة بوجود المبني فطالما الطالبات يركضن للهرب منه إلى منازلهن لحظة دخولهن عليه ولا يعرفن من الحياة الجامعية سوى أخذ المقرر والامتحان الشهري والنهائي فستبقى كل جهود الجامعة ومبانيها الفخمة وإمكاناتها المديدة دون تفعيل حقيقي بسبب هذا الفصل المزعوم ما بين الجامعة والبيئة الفعلية التي توجد فيها

ويكفي أن لا أحد ..أقول لا أحد يستطيع أن يدخل المبني النسائي في الأقسام النسائية إلا بأذن من المدير أو المديرة يستغرق الحصول عليه ثلاثة شهور! فلا زائرة ولا صحفية ولا باحثة يمكن لها العبور حيث تقف جيوش التفتيش المشكلة من عشرات الموظفات اللاتي لم تجد لهن المؤسسات الجامعية عملا بسبب تدني مؤهلاتهن فعملت على تثبيتهن في كل المداخل للتفتيش على كل قدم تطأ المبنى وطرده إذا لم يحمل الأذن المذكور!!. وهذا الأمر بالطبع ليس قصرا على جامعة الملك سعود بل هو سياسات متبعة في كل الأقسام النسائية الجامعية في كل المملكة ورأيته في سعود ونورة ووأم القرى وطيبة والقصيم وكل مؤسسة جامعية أتيحت لي زيارتها في المملكة.

لن تتمكن الجامعة عموما من خدمة مجتمعها المحلي وهي تتعامل مع الطالبات كقاصرات ومخطئات حتى يتم إثبات براءتهن من محاولة الهرب من الجامعة كيف لعدد من الحوادث الفردية المؤسفة والتي تحصل في أية تجمعات كبيرة بهذا الحجم أن تخلق سياسات عامة تخنق فكرة التعليم الجامعي من أساساها.

كيف لنا أن نقتل العملية الجامعية وكل هذه الجهود والنشاطات بتجريد الطالبات من المسئولية لرعاية أنفسهن وتعويدهن على قبول فكرة الذنب واللامسوؤلية وهن اللاتي يرعين أبناء هذه الأمة وبيوتها وفصولها وبنوكها ومستشفياتها؟ هل من إجابة؟

نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.