.
.
.
.

صدر حديثا.. "النكت السوداء"

مها الشهري

نشر في: آخر تحديث:

معرض الكتاب، الظاهرة السنوية التي ينتظرها كثير من الناس على اختلاف توجهاتهم، وربما أن هذه المناسبة رغم كثرة الأضواء عليها، تعد أقل ما يمكن أن نقدمه للكتاب ومعاودة النظر في تنظيم أوقاتنا لنشغل حيزا منها بالقراءة، ورغم أن المعرض يعبر عن واجهة ثقافية مشرقة بما يحويه من الانطلاقات الجميلة للمساحات الشاسعة في الفكر، إلا أن الظواهر المفسدة تتصاعد في أشكال الوصاية التي يمارسها بعض المحتسبين ذوي القناعات المتصلبة في توجيه المفهوم الشعبي للانطواء في ظلمتهم ومنعهم من البحث في بحور الفكر، إضافة إلى أنها تتقاطع مع الأهداف الإيجابية التي نظمت لأجلها هذه المناسبات، فالواعظ الذي يظن أنه ينظم سلوك المجتمع وينتهك عاطفته بالمنع والتقييد حتى يبقي رأيه الأرجح والأصلح، يجد الحرية المطلقة بإملاء ما يريد قوله في منبره ودرسه وتسجيلاته وحساباته في مواقع التواصل الاجتماعي حتى لو لم يحترم الآخر، بينما ما زال يحاول الوقوف عائقا للحيلولة دون تطوير الفكر الاجتماعي بالسبل التي تحرر عقل الفرد من سلبياته وابتذاله للاستعطاف، وقرأنا كثيرا من الآراء التي تقحم رأيها المتعصب وتجدد حضورها قسرا لإقصاء كل كتاب يحمل في مضمونه مخالفة في التوجهات الفكرية.
وبطبيعة الحال سنجد مثل هذه الآراء المثيرة للتندر تتعالى بالتحذير والتحريم والمنع في كل مناسبة ثقافية، وما زالت تحاول بشكل مباشر تشويه الصور الإيجابية لأهدافها، ومحاصرة العقل الجمعي الذي سيطرت عليه لعقود طويلة من الزمن وكانت المحرك الأساسي لرأيه وتوجهاته، وجعلت من ثيابها في المنطلقات والمظاهر مطلبا لوجود الاحترام والوجاهة فيما يرتديه الناس، وفي شكل مُحتقن بالكبت لأبسط الجزئيات الضرورية من الشعور بالحياة، وهذا التضليل يحدث في عصر الثورة المعلوماتية وسهولة الحصول على المعلومة التي لا تنحصر طرق الوصول إليها.
إذن، فالتنوير يقلص حجم فاعليتهم، ودليل الإفلاس أنهم يحاربون الفكر الآخر بكل ضراوة ويصورونه في التعتيم والتخويف وبأبشع الصور الظلامية، كالسقوط والسواد والانحطاط والانحلال، فالذي يفعلونه يأتي على طريقة التاجر الذي يسيء لسمعة منافسيه حتى تبقى سلعته رابحة في السوق، وهذا ما لا ينطبق على المجتمعات اليوم، خصوصا فيما تسوغه الرغبات والاحتياجات التي خرجت من مكنونها وتجاوزتهم بما يتطلبه الخروج والتحرر عن طوق الخطاب الديني المحدود والضيق، حتى ولو لم يحرص الفرد من هؤلاء على قراءة كتاب.
العاقل يحدد ما إذا كان الكتاب مفيدا أو ضارا، ولو كان هذا الخطاب راسخا ليبلغ قدرته بتهيئة المجتمع للوصول إلى المستوى الحقيقي للوعي في عقول أفراده، لكان أشد حرصا على توجيههم للقراءة والمعرفة، ولم يكن ظهر لنا مما صدر حديثا فتوى "النكت السوداء" بالتزامن مع الإصدارات الحديثة في المعرض، والتي تقتضي إحضار مرافق ذي نظرة خارقة لقراءة محتوى الكتاب من عنوانه!

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.