التصنيفات الفكرية : واقع لا يمكن إنكاره

محمد عثمان الثبيتي
محمد عثمان الثبيتي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

الاختلاف في نمط التفكير في حد ذاته ظاهرة إيجابية ، ولا تُسبب أي خطر يُداهم التركيبة الاجتماعية لأي تجمع بشري على الإطلاق ، ودوماً أقول إن " الاختلاف هو الرحم الشرعي لتوليد الأفكار الإبداعية " ؛ لأن قناعتي المؤَّكدة تقودني إلى ضرورة توافر التباين لكي نخرج من القولبة التي أسست لها تربية أُحادية التوجه لا تؤمن إلا بمبدأ " إذا لم تكن معي فأنت ضدي " ، ولكن – وللأسف الشديد – فُهِم الاختلاف على أنه خطوة لزعزعة الأمن القومي ، وبداية لتصديع جبهته الداخلية ، والسماح للمتربصين من الخارج بتفكيك لُحمته ، إلى غير ذلك من الرسائل السلبية التي تتناقلها الألسن ويغيب عنها إعمال العقول ؛ ورُبما لمن ظن هذا الظن السيئ مُبرراته التي رصدها من خلال التعاطي غير المنطقي بين أرباب المُختلفين والذين مارسوا هم دوراً يتنافى مع أخلاقيات الاختلاف ألا وهو " الإقصاء " ، فبدلاً من أن تكون لغة الحوار العقلاني هي السائدة بين التكتلات الوليدة نجد أن العكس هو سيد الموقف .
وتأسيساً على ما سبق فإن الخطوة الأولى التي يجب أن نؤمن بها هي وجود مثل هذه الأنماط الفكرية بين ظهرانينا ، وعدم إغفال حِراكها مهما كان – سلبياً أو إيجابياً – ويتبقى بعد الإقرار بوجودها أهمية فتح قنوات تواصل ذات بُعد توفيقي وليس إقصائياً أو اندماجياً ، بقدر ما يكون هذا التلاقي قنطرة لإيجاد صيغة تحترم كل الأطروحات الفكرية وتقبلها كما هي لا كما تُريدها الفئة الأخرى ، وتعمل – جميعها – في خطوط متوازية لا تتقاطع لأي اعتبارات مهما كانت قوتها الجماهيرية ، أو توافر غطاء يدعم وجودها ، لكي نؤسس بناء على هذا الفَهْم منهجية التعددية والتنوع التي نؤمن بها قولاً ونرفضها ممارسة ؛ لسبب بسيط جداً يتمثل في أن الرؤية لهذه المنهجية تشوبها الضبابية ، ناهيكم عن النقص في الآليِّات التي تُحقق هذا التقارب الذي – أجزم – بأنه ملمح حضاري لمُجتمع يتقبل جميع أفراده مهما كانت توجهاتهم الفكرية وانتماءاتهم الطائفية ، ويرغب في الاستفادة من كل القدرات الكامنة التي تمتلكها كوادره البشرية عن طريق التوجيه السليم .
إن المُتتبع للتصنيفات الموجودة في مُجتمعنا يجد أنها تخضع أولاً للانتماء الديني ، ثم تجد بعد ذلك أنها تجعل من الناس من هو علماني ومن هو مُلتزم ، كما لا يخفى عليكم " بنو ليبرال " استناداً لليبرالية ، والذي يحلو للكثير من مُعارضيه أن يسموا من يعتنق هذا المنهج بهذه الكُنية ، ولا ننسى " هذا صوفي " نسبة إلى الصوفية التي تُعد إحدى التهم المُرتكبة في مُجتمعنا المتنوع - داخلياً - والمتماثل - ظاهرياً - ؛ فالسؤال الأهم هنا لماذا هذه الازدواجية في التعاطي؟ وبشكل أوضح لماذا لا نكون على حقيقتنا أمام الكل ، فأقول أنا كذا وكذا؟ اعتقد أن هذه الانهزامية الداخلية التي نتعاطاها ونحاول أن نُخفيها هي البوابة التي أججت بروز التصنيفات بشكل غير ممنهج ، الأمر الذي سبب هذا النزاع بين الأطراف المُشكِّلة لهذه المرجعيات الفكرية التي لم تجد من يحترم مبادئها ، ويقبل أو يرفض رؤاها بشكل يُجنبها آفة الإقصاء ، بل وصل الأمر إلى التندر والسخرية بها .
من هذا المنطلق أرى أن إعطاء هذا التباين حقه في التعبير عن نفسه بشكل علني يضمن لنا عدم عمله تحت جُنح الظلام ؛ مما يعني أن العمل بقبوله أمرٌ تُحتمه التغيُّرات المتلاحقة التي أحدثت بُنى اجتماعية جديدة لها مُتطلباتها ، وقادرة وبصوت جهوري على القول : نحن هنا ؛ لذا يجب عدم تجاهل كل ما يُطرح على أرض الواقع مهما كان تصنيفها الفكري .

نقلاً عن صحيفة "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.