بين الطامس والمطموس!
أفهم حالة التوتر التي تصيب بعض المتشددين تجاه الآثار الإسلامية حيث يرى هؤلاء أنها يمكن أن تفتح بابا للبدع والسلوكيات المخالفة للعقيدة، لذلك وجد هؤلاء أن الحل الأسهل هو السعي بقدر الإمكان لطمس معالم حضارتنا الإسلامية لقطع الطريق أمام كل احتمال للتبرك أو أي ممارسات شركية، وهكذا خسرنا معالم تراثية وأثرية تتمنى دول العالم أجمع أن يكون لديها عشرة بالمائة منها.
كل هذا التوتر أصبح مفهوما مع مرور الأيام، فالقاعدة المتشددة تقول بإلغاء كل شيء كي لا يحدث شيء لم يحسب حسابه، ولكنني كنت أظن أن هذه المسألة تتعلق بالآثار الإسلامية التي قد تحمل رموزا دينية أو تعود إلى شخصيات إسلامية لها مكانتها الخاصة في نفوس المسلمين، ولم أتخيل أن بلدوزر المنع والطمس والإلغاء يمكن أن يطال الآثار التي سبقت ظهور الإسلام بمئات السنين، حيث لا يمكن لأحد أن يتبرك بهذه الآثار التي تعود إلى أزمنة سحيقة وحضارات قديمة.
فقبل يومين نقلت جريدة الحياة استياء أهالي مركز بني كبير في منطقة الباحة من قيام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطمس مقبرة الزينات التاريخية التي تعود إلى أكثر من 30 قرنا (أي أكثر من ثلاثة آلاف عام) خوفا من انتشار البدع الشرعية ودرءا للمفاسد!، وقد أكد متحدث باسم الهيئة أن ما حدث هو تشكيل لجنة بالاشتراك مع البلدية ووزارة الشؤون الإسلامية للنظر في أمر هذه القبور والوصول إلى تسوية بخصوصها.
وهذه المقبرة التاريخية هي واحدة من مئات بل آلاف الكنوز الأثرية التي تزخر بها هذه البلاد وتعود إلى حضارات مختلفة ومن المؤسف حقا أن يسلم أمرها إلى اجتهادات موظفين صغار قد يتخذون إجراءات سريعة من شأنها أن تنهي هذه المواقع الأثرية التي لا تقدر قيمتها بثمن، كما أنها في كثير من الأحيان لا تشكل تصادما حتى مع الآراء المتشددة بخصوص التراث والآثار ولكن قلة فهم بعض المجتهدين وحماستهم وتسرعهم قد ينتج عنها إجراءات لا يمكن معالجتها بأي شكل من الأشكال.
لذلك من المهم جدا ألا تستباح الآثار بهذه الصورة السهلة وألا تستسلم جميع الجهات المسؤولة عن هذه المواقع الأثرية لمثل هذه الاجتهادات الخاطئة التي يكون سببها في أغلب الأحيان فهم خاطئ للدين الحنيف واستسهال لعملية المنع والطمس والمصادرة والهدم حتى لو لم يكن من قام بهذا الإجراء متأكدا من سلامة موقفه.. لنهدأ قليلا فالأهرام في أساسها قبور، لكن لا يوجد مسلم يتبرك بها!
نقلاً عن صحيفة "عكاظ"