استقطاب «تايم»
أناخ الصحب مطيهم ليلة البارحة، وربطوها في أمشاج أضلعي مع نبال مرقت من أول الصدر إلى آخر الصبر، يعاتبونني «أنني أغمس ذاتي في أقداح التعفف عن الانحناء منتصباً في بلاط أسياد»، مع اختصارهم منتصف القرن الخامس من دهري بوصف «غبي في جلباب بدوي»، وما أقنعهم دفاعي «هذا ما جناه عليّ أبي».
ينصحني صحبي أن أرتدي أحاسن ملبسي، وأترك من متاعي كرامتي، وأطرق أبواباً يتسابق لها أرباب قلم، أتلطف بالكلم، وبوضوح أنتمي، لأن ساحة الوراقين مفتوحة على حرب استقطاب ضروس، وحينونة وجوب اختيار كتلة حراك سياسي تشتري نفاق الكاتب في مقابل إنفاق «شيكات وكراسي» تكفي لغسل جلد خروف وتحويله إلى «جاكيت» فرنسي التصميم والتنميق.
أعاد «الربيع العربي» رسم خريطة أقلام الدواوين وأصواتها، في بلدان تعرضت له، وبدأت ترسم ذاتها في بلدان تتخوف منه، لم يكن «الاستقطاب» واضحاً قبله خليجياً، إلا في ساحة الشعر النبطي، وهو باب عريض الترف ممزوج بـ«قرف» تحمّل شاعر ماهر لغباءات ثري مصاب بعري ذائقة، وينافقه حد السماح له بكتابة اسم الثري على قصيدته، وكأنها بنت قريحته، نوع من وأد الشاعر لنفسه قبل قصائده. غاب وهج شعراء البلاط، يأتي زمنهم لاحقاً لتمجيد منتصر، أو مواساة منكسر، لا يفهمون كثيراً في «إرهاصات حرب» إلا لغة التأجيج، ولأنه يصعب تحديد الأعداء ففي أفواههم ماء، ويصبح «العمود الصحافي» نوراً يضيء دروب أمة، أو سداً يزيد العتمة عتمة.
تفعل البرامج التلفزيونية أكثر مما تقدمه صحف الدواوين، لذلك لكل فريق مصانع «زعيق»، نسخه سياسية من حكايات «الراقصة والطبال»، والأوطان مسارح يملكها من يستطيع «التنطيط أكثر»، ليس مهماً إجادة الرقص بقدر أهمية وجود جرأة.
كانت كناية «دخان» ملتصقة بأحد أجدادي لشدة اسمرار بشرته، رافق أبناء عمومته من دياره في شمال الجزيرة، شرق البحر الأحمر بغية بيع إبل في أسواق السودان تحت العلم الإنكليزي، غرب البحر الأحمر، وقبل غروبه تحت سماء الاستقلال، ثم عندما تعثرت بهم الغربة والتجارة، وبخس عليهم البيع، طلب «دخان» من إخوانه وأبناء عمه بيعه في سوق «العبيد».
تم بيع «دخان»، لم يفهم التاجر السوداني دلالات الاسم كما يجب، لا أحد يستطيع الإمساك بالدخان بيديه، بعد 15 يوماً كان الاشتعال من نصيب قلب السوداني، لأن البدوي هرب ولحق بقومه، لا يستطيع الحفيد تقليد جده، لأن أسواق العبيد تم إغلاقها، وتغيير سواد البشر إلى سواد الحبر، بينما قيمة شراء جوهر الإنسان باتت أعلى من قيمة جسده، وعهده لقلمه ووطنه.
يتسبب الاستقطاب في تشويه وجه الحياد، المنطق، العقل، والتعقل يلقي بالنور على جوانب الطريق ويؤسس لثقافة بيع القلم من دون ألم، و«شخصنة» الأوطان، مع اختطاف الوعي بعد تحويله سلعة يتم تغليفها بسمعة كاتب، مذيع، أو صحافي قرر استثمار شهرته، سمعته، ومنبره، منساق لأغنيته المفضلة «هي خاربة، خاربة، خلينا نعميها». يصيب العمى الأوطان، الأديان، والشعوب إذا أغمض «المتنورون» عيونهم دسوا عقولهم في حساباتهم المصرفية، وحينما يتم إخضاع اللغة، المنطق والحق لصناعة إعادة تدوير تشبه تحويل محتويات مرمى النفايات إلى منتجات قابلة للاستعمال، حينها يصبح الاستقطاب باب شر، وتبدأ لعبة «نباح الكلاب» بينما أسيادها يتبادلون الوقار مع سيجار «كوبي» فاخر، ثم في آخر المطاف لا يغنم الكلب من الوليمة إلا عظماً مرمياً على تراب وطن أسهم في تأزيمه.
قولوا لصحبي «إليكم مطيكم»، واتركوا أوشاجي تنادي «عاش الوطن»، ولكل الأزمات «دخان» يشتريه من يتوهم الإمساك به، وما تتم إعادة تدويره يعود إلى مرمى النفايات، ثم يعود مجدداً إلى حين يأتي يقين العامة والخاصة أن الوطن دائرة لا قطب لها.
نقلاً عن صحيفة "الحياة"