.
.
.
.

فئتان بين صرامة التطبيق وبراعة الاحتضان: لتجفيف ينابيع الإرهاب

قينان الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

في الجامعات وفي مدارس التعليم العام، وفي المجتمع عموما لا يستطيع أحد أن ينفي وجود فكر متطرف متغلغل بين أوساط الأبناء والبنات، وحتى عوام الناس، وهو الفكر الذي قاد، وسيقود -إذا استمر- إلى الإرهاب، وهنا لا بد أن نفرق الآن بين فئتين، وهو تفريق مهم جداً في نظري.
فئة المحرضين والمنظرين والمشجعين على هذا الفكر المتطرف، وهؤلاء لا بد أن يطبق بحقهم ما ورد في بيان وزارة الداخلية من تحر وحساب وعقاب، لأنهم هم مستنقع الإرهاب الذي يجب تنظيفه وردمه بحزم وصرامة ودقة وعدل، وهذه الفئة تحتاج بحثا دقيقا ومتابعة واعية ومواجهة صريحة، حيث لن تجد من يعترف بالتطرف أو التحريض على التكفير والإرهاب، سواء في أوساط المعلمين والمعلمات، أو أساتذة وأستاذات الجامعات، أو أئمة المساجد ومحفظي القرآن، أو من يسمون أنفسهم بالدعاة وطلبة العلم، أو غيرهم، فهؤلاء أذكى من أن يعترفوا أو يتراجعوا علنا لأنهم أصحاب أجندات وانتماءات وهم وأعوان لما فعلوا ويفعلون سرا وعلنا، وهم الخطر الأكبر الذي يجب محاصرته بآلية محكمة ودقيقة وعادلة، ويبقى مع ذلك وضمن الآلية يجب تجفيف ينبوع آخر ينشر الفكر المتطرف دون وعي، وهو ينبوع غذاه أولئك الواعون لما يفعلون خدمة لأجنداتهم وانتماءاتهم، وذلك عندما استغلوا أنصاف متعلمين، ودراويش كان أو ما زالوا يروجون لذلك الفكر المتطرف، جهلا منهم بمخاطره، ولافتقارهم للعمق العلمي الذي يؤهلهم لكشف عواره، وهؤلاء يجب إيقافهم وإرشادهم إلى خطورة ما يفعلون بوطنهم وأبناء وطنهم، بصرامة وحزم.
الفئة الثانية هم طلاب وطالبات الجامعات والثانويات والمعاهد وغيرها، ممن تم التغرير بهم وحقنهم بفيروسات التطرف والتشدد والتكفير، وهؤلاء لا شك ضحايا يجب أن يتم استصلاحهم وفق آلية تنتظم المناهج ومن يدرسها، والنشاطات اللاصفية ومن يشرف عليها، ومدارس وحلقات التحفيظ ومن يعمل بها، والمحاضرات العامة والندوات ومن يؤديها ويشارك بها، ومنابر المساجد ومن يخطب عليها، وبطبيعة الحال من خلال الإعلام بكل وسائله، وبمشاركة فاعلة من الفقهاء الواعين وأصحاب الفكر المعتدل.
لقد قرأت أن بعض الجامعات بدأت ترصد طلابها وطالباتها المتأثرين بهذا الفكر المتطرف والمنحرف، وهذا جيد، لكن أرجو ألا يكون الهدف قمعهم ومعاقبتهم، فأسلوب العقاب والقمع سيلجئهم إلى التحفظ والتكتم على قناعاتهم، وقد يضطرهم ذلك إلى اللجوء سراً لأولئك الذين غرورا بهم، والذين حتما سيتخفون، ويبحثون عن سبل سرية للتواصل مع ضحاياهم، ومن هنا يبدأ مشوار جديد مع الخطر فلا نستطيع الخروج من الدائرة، بيد أن تشجيع هؤلاء الضحايا من النشء على الإفصاح عن قناعاتهم مهما كانت خطرة أو معوجة، واتباع أسلوب التوعية والإقناع، من شأنه حمايتهم وإخراجهم من دائرة القناعات الخطأ دون خسائر تمسهم لا نفسيا، ولا تعليمياً ولا عمليا، بمعنى احتضانهم ببراعه.
الفكر الذي أخذ مداه وتجذر خلال عقود، ليس من السهل اجتثاثه خلال فترة قصيرة، لكن أظن أننا بدأنا الطريق الصحيح، ومع العزم والحزم وصرامة التطبيق مع الفئة الأولى وذيولها أعلاه، ومع الاحتواء واستراتيجية التنوير والتوعية للفئة الثانية ولجميع النشء في الوطن، مع ذلك كله، فإن وطننا بإذن الله على طريق التعافي.
المشوار طويل والمهمة كبيرة، لكن لا بد مما ليس منه بد، لا بد من اجتثاث الإرهاب وكل ما يؤدي إليه، ورفض القمع الذي يعيدنا لنفس مربع النمو من جديد.

نقلا عن صحيفة "مكة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.