.
.
.
.

تجديد السيرة

سامي الماجد

نشر في: آخر تحديث:

سيرة المصطفى محفوظة بسندها الصحيح المتصل في كتب الصِّحاح والسنن، عرضتْ لنا سيرته العظيمة بتفاصيلها بوصف دقيق، فلم تدع شيئاً ذا شأن إلا أظهرته ورسمتْ لنا صورته؛ حتى ما يكون في شأن بيته وخاصّة أهله. ولم تحفظ سيرة نبي كما حفظت سيرته - عليه الصلاة والسلام -، وأكثر اليهود والنصارى في كتبهم من قَصص بعض الأنبياء؛ فخلطوا قليلاً صحيحاً بكثير ملفق لا يليق بوليٍّ صالح، فضلاً عن نبي تقي.

والمشهور عن عامة الناس أن سيرة النبي تطلب في كتب المغازي والسير فحسب، وإنما جاء هذا الحصر الخاطئ من توهم أن كتب الصحاح والسنن ما هي إلا مدونات لأحاديث الأحكام والترغيب والترهيب والآداب، فليختص بها طلبة العلم والوعاظ والباحثون!

صحيح أن سيرة المصطفى - عليه الصلاة والسلام - لم تُروَ في كتب الصحاح والسنن مرتبةً ترتيباً تأريخياً كطريقة كتب التأريخ والسير، وإنما جاءت مبثوثة تبعاً لمظان فوائدها وما يستنبط منها؛ ولكنها قريبة المأخذ لمن قصدها، مخدومة بفهرسة وتبويب يدلك على بغيتك، كل ذلك بسند متصل صحيح؛ إلا ما نبّه أهل العلم إلى ضعفه. ثم جاء من خدم هذه السيرة المبثوثة المفرقة على أبواب الفقه والعلم، فجمع تفاريقها، وآلف بينها، وميّز صحيحها من ضعيفها، ورتبها، وانتظمها في تأليف جديد بديع.

وهذا المنهج الجديد ينبغي أن يكون هو المقدم في هذا العصر في عرض سيرة الحبيب - عليه الصلاة والسلام -؛ لأنه هذّب السيرة ونقحها فاطّرح ضعيف أخبارها ومكذوباتها وكلَّ ما ليس له سند صحيح، ثم عاد على كتب الصحاح والسنن فجمع منها تفاريق السيرة وحوادثها وآدابها، ورتّبها بترتيبها الزمني في عرض مشوق أبرز فيها من العظمة المحمدية ما كانت كتب السير والمغازي تمر عليه مروراً عابراً من دون أن ترسم له صورةً شاخصةً لا تخطئها العين وهي تقرأ ذاك الحدث المتمثّل فيه ذلك الجانب من العظمة، وربما اعتُذر لها بأن عقول قرّائها في وقتها كانت لمّاحة فطِنة تقرأ مواعظ الحدث ومواطن العظمة المحمدية ولو لم يكن الحدث نفسه ناطقاً بذلك، فاستغنى المؤلف عن أن يستنطقها ويقف لها بعض الوقفات.

ولا يلزم من هذا انتقاصٌ لكتب السير، ولا يصح أن يُفهم تقدير جهود السابقين والإشادة بفضلهم وسبقهم في هذا الباب بأن نقف حيث وقفوا، وأن نحول دون كل تجديد في هذا الباب قائلين بلسـان حـالنا: ما ترك الأول للآخِر شيئاً!

إن شواهد الحياة تقول: لكل زمن رجاله، ولكل عصر كتُبه ومؤلفوه، وما يصلح للأوائل قد لا يصلح للأواخر، وظروف الحياة اختلفت، ومدارك العقول ضعفت، والهمة قصرت، وطرق التأليف تطورت، وجدّت طرق مبدعة ماتعة مشوقة في صفّ الكتاب على أحسن إخراج وأتمه.

إن سيرة الحبيب - صلى الله عليه وسلم - ليست مجرد غزوات وفتوحات، كما توحي به بعض كتب المغازي والسير، التي لا تكاد تقرأ فيها إلا تلك الفصول المصدَّرة بالعبارة المألوفة: «ثم دخلت سنة كذا وكذا، وفيها وقعت غزوة كذا، وقتل من المسلمين كذا ومن المشركين كذا... إلخ»، ومن القصور أن تختزل حياته المباركة في هذه السياقات وكأنها ليست إلا غزوات وفتوحات؛ وكأنما معجزاته وعظمة شخصيته لا تظهر إلا فيها، وفي هذا طَمرٌ لصور أخرى مشرقة من شمائله.

يتعيّن في هذا العصر أن يعاد التأليف في سيرته العطرة على نحوٍ تبرز فيه جوانب العظمة المحمدية كلها، وتُستوعب فيه شمائله بلا استثناء، وبأسلوب جديد بعيد عن التعقيد والغموض والإغراب. والأمر يتطلب استقراءً شاملاً لكتب الصحاح والسنن لجمع ما تفرق فيها من وقائع السيرة وشواهد شمائله وأخلاقه.

إن كون أجيالنا لا تقرأ في السيرة النبوية هو بلا شك مشكلة؛ ولكنها جزءٌ من المشكلة لا كلها، والجزء الآخر من المشكلة أن الكتب الشهيرة في هذا الباب هي كتب مؤلفة لغير هذا العصر بطريقة عرضها وأسلوبها، وأما ما أُلّف في هذا العصر فأكثره إما ضعيف مهلهل الأسلوب مكرور، أو مغمور لا يعرف.

إن في السيرة باباً من التجديد من يُوفق إلى الإحسان فيه فقد وفّق إلى طريق من أحسن طرق إحياء سنن الحبيب - عليه الصلاة والسلام.


نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.