قال لي الطبيب !
لدي قاعدة هامة وضعتها نصب عيني في علاقتي مع الأطباء، وهي أنني أسمع وأطيع لما يقولونه لي، وإلا ما فائدة تكبدي المشاق والذهاب إليهم مضيعا وقتي وأوقاتهم وأبعثر مالي، لذلك أحاول التقييد بما قننته لنفسي، ولكن النفس "الرتعة" تأبى في كثير من الأحيان مسايرتي في قناعتي وهي تستخدم معي أساليب ملتوية للفكاك مما أريده، وتورطني كثيرا في مشتهياتها مولدة عندي قناعات مزركشة لتوهمني بصحة ما تريد هي، ولكني لها بالمرصاد وهي معركة طويلة وممتدة لا تنتهي حتى يأتي الأجل فينظر من الفائز في الطرفين!
قال لي الطبيب في آخر زيارة لي له: أنت من الناس اللي منشفين حلقي!، فوجئت بهذه العبارة الغريبة التي لم يسبق لأحد قولها لي، وكانت غريبة لأنها أتت من طبيب يتصف بالجدية كثيرا وهو قليل المزاح، لكنه قالها وهو على حق، فقد وصف لي منذ سنوات بعض الأدوية التي لم أواصل استخدامها بإرادتي، وفي أكثر من زيارة سابقة كان يكرر سؤاله عنها وكانت إجابتي الدائمة له بعدم استخدامي لها متعللا بكثرة الأدوية والطفش منها، لكن في المرة الأخيرة وبعد عبارته القاسية اللطيفة معا "أنت من الناس اللي منشفين حلقي" رضيت بالخضوع والاستسلام فقررت عدم الخروج عن وصفته والانتظام في تناول الأدوية مهما كانت كثيرة، والسبب ما آلت إليه حالتي الصحية قبل فترة فقد ارتفع الضغط فجأة ولم يسبق لي ذلك من قبل، فكان لزاما علي طاعته، لأن في طاعته مصلحتي الشخصية، أما لو ركبت رأسي مرة أخرى وخالفت أوامره فأنا المتضرر الأول ومن ثم عائلتي الحبيبة، وهو قرار عقلاني ذاتي بعيد عن العاطفة وعن مشتهيات النفس "الرتعة"!
يا ترى كم نلتزم بكلام وتوجيهات الأطباء لنا، الذين نذهب إليهم غالبا عندما نصل إلى حالة حرجة أو يكاد، وكم منا يجري فحوصات طبية بصورة دورية، وكم منا يتقيد بتعليمات الطبيب عندما يمنعنا من تناول بعض الأطعمة وخاصة الحلويات والدهون، وكم من المرات نقول وبكل جرأة وشجاعة لا مثيل لها: الموت واحد! وكأننا بذلك نفضل الموت مرضى سريعا على البقاء سليمين مدة أطول (الأعمار بيد الله)، ونكاد ننسى أو نتناسى أن الأخذ بالعلاج والتداوي أمر نبوي، بل هو أمر من الله ولو لم يكن صريحا، فالجسم الذي نعيش داخله ليس ملكا شخصيا لنا، إنه أمانة من الله أودعها في أيدينا، فهل أحسنا الحفاظ عليها أم نتعمد إهمالها والإساءة إليها على كافة المستويات، ونحن متأكدون من نتائج ممارساتنا الخاطئة نحو هذا الجسم المسكين الذي يتحمل منا كثيرا، وتجاهلنا لما يقيه – بعد إرادة الله – شرور الأمراض وخاصة المزمنة والخطيرة والتي نرى ونعرف ونسمع عن أخبار وأحوال الذين ابتلاهم الله بها، ورغم إشفاقنا عليهم وشعورنا بالحزن العميق نحوهم إلا أننا نغفل عن سلوكياتنا الخاطئة نحو أنفسنا ومن ثم لنقع فيما ابتلوا به!
نقلاً عن صحيفة "المدينة"