مولد وصاحبه غائب

محمد اليامي
محمد اليامي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

كعادته وبهدوء وبجملة واحدة من دون إضافات على غير عادة مواطنيه قال لي الصديق المصري الجميل طارق ونحن في الشارع: «المغاسل هنا مولد وصاحبه غايب»! وهنا يقصد بها الرياض أو المملكة، والمغاسل هي مغاسل الملابس، ولم يزد، ولم أجد ما أضيف فقد كفى ووفى.
بحثت في هذا المثل فوجدته يصنف من الأمثال الصوفية، وهو حينما يجد الناس ازدحاماً ولا نظام، أو عملاً من دون قيادة أو رئاسة، ويقوله العامة في مصر صوفية وغير صوفية، وجاء في الأغاني الشعبية، وعرفت من الأخ «غوغل» أنه كان هناك مسلسل اسمه مطابق للمثل.
الأستاذ مصباح دياب فسّر في العام 1980 هذا المثل فقال يجيب سائلاً: «إن الصوفية يقصدون أن صاحب المولد غايب في الله حبيب غاب في حبيبه»، ولا أعرف دقة ذلك، لكن التفسير لافت، على رغم ما لاقاه المثل من تشويه.. ما علينا.
كلام صديقي مدعاة للتأمل، فعدد مغاسل الملابس كبير جداً جداً، ومشكلاتها كثيرة جداً على مستويات النظافة والرقابة، وبالطبع على مستوى السيد «تستّر» صديقنا القديم في معظم الأنشطة الصغيرة، وأيضاً لفتني أن قطار السعودة والنطاقات وتوظيف السيدات وهمي في الكومبيوتر لم يمر بهذا النشاط.
ركزت قليلاً فوجدت من أحوالنا أن كل هذه الأجهزة لدينا للأعمال المنزلية، ونحتاج دائماً إلى «أجهزة بشرية» كما يعتقد البعض عند معاملتهم لإنجاز أعمالنا المنزلية، الكل لديه غسالة أو اثنتان «أتوماتيك» والكل يذهب للمغاسل تقريباً.
بالفعل في هذا القطاع ازدحام ولا نظام، وشخصياً لا أعرف أن للعاملين فيها رخصاً صحية كما للعاملين في المطاعم، ولا تخضع لرقابة دقيقة كما نزعم للمطاعم، وربما يجدر بالأمانات والبلديات إلزامها بأن يكون العمل على مرأى الناس، كما ألزمت المطاعم لتحقيق الرقابة من المستهلك كحد أدنى.
عندما نرى في الخارج المغاسل التي تعمل بالعملة المعدنية في بعض الأحياء والعمائر نعرف الفرق بين الممارسة الاقتصادية الاجتماعية الصحيحة والخاطئة، وهذه الفكرة لم تسبق تجربتها حتى في المجمعات الخاصة، أو الشركات العملاقة التي لديها مساكن موظفين، من دون سبب واضح ومعلوم.
تنظيف وكي الملابس نشاط في كل مكان، لكن ليس بهذه الكثرة الغريبة، ولا الانفلات التنظيمي، وهي تنضم هنا إلى مؤشرات استهلاك وضعف رقابة كثيرة في شارعنا التجاري داخل الأحياء.
الظريف أن أحد تجار الملابس أسرّ لي بأنهم مدينون لهذه المغاسل، لأنها أحد أسباب ازدهار تجارتهم، فهم لا يتبعون أي إرشادات لطرق التنظيف، ويسهمون في أن تبلى كثير من الملابس سريعاً.
قد يبدو موضوعاً صغيراً، لكن جملة الصديق أعلاه شرعت باب الأسئلة، كم من «مولد وصاحبه غايب» في شوارعنا وأحوالنا؟


نقلا عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.