شجاعة القاضي الأدبية
هذا المقال (السادس) ضمن سلسلة (أخلاقيات القاضي) المنطلقة من وثيقة مؤتمر رؤساء أجهزة التفتيش القضائي في الدول العربية، سيكون حديثي عن القاعدة (الخامسة) في الشجاعة الأدبية، وأول لوازمها “عدم التردد” في إعلان الحق والثقة بالنفس، لأننا لا نستطيع أن نتصور قضاءً سويًّا بلا قضاة شجعان، ضمن الثوابت الشرعية والقانونية، وهي الجرأة التي تدفع القاضي إلى حسم الموقف، واتخاذ القرار بالرغم من ظروف توشك أن تضعه في مواضع التردد، أو الخشية، أو الانصياع، وهي الشجاعة الأدبية التي هي في مواجهة اللا هروب، والتصميم على إعلان الحق دون سواه، وهي الصلابة التي تجعل القاضي لا يتلعثم لسانه، ولا يتعثر قلمه، ولا يقلق ضميره بعد أن يكون الرأي الصواب، ولن يستقيم القضاء، وتشيع العدالة إلاّ حينما يعزز القاضي من ثقته بنفسه، ولذا قيل بأن نصف العدالة تموت حينما يشعر القاضي بالضعف، ويموت النصف الآخر حينما يغطي ضعفه بالاستقواء على الضعيف.
وثاني لوازم الشجاعة تكمن في “سطوة الضمير والحكمة”، لأن القاضي قد يكون في موقع حرج بسبب علائق شخصية، أو روابط عائلية، أو انتماءات حزبية، أو طائفية، أو قبلية، أو مناطقية، أو سطوة المال، أو النفوذ السياسي، فضلاً عن الضغوطات بأنواعها، وذلك للتأثير على الحكم، فهل حينئذ يسايرها أو يخشاها، أو يحرص على ترسيخ مركزه عبر الرضوخ لرغباتها؟، ولكن الشجاعة لا تقصي الحكمة وتستتبع التهور.
وثالث الشجاعات أن يرجع إلى “عمل كبار القضاة” من السلف والخلف؛ ليرى كيف أنهم لم يساوموا على الحق والعدل، وكيف ترفّعوا عن شهوات المآرب والمناصب، وانتصروا للضعيف المحق، على القوي المبطل.
ورابعًا في “المواجهة الشجاعة”، لأن التخلص من الحرج لا يكون باستنكاف القاضي النظر في القضية المطروحة عن طريق طلب التنحي، فالحل الصحيح لا يكون بالانسحاب، ودفع الدعوى إلى قاضٍ آخر، وإنما بالمواجهة الأدبية.
والقاعدة (السادسة) من أخلاقيات القاضي تختص بـ”التواضع”، وعدم الاستعلاء أمام المهمات الجسام الملقاة على كاهله، ولا بد من البساطة والابتعاد عن الغرور والتكلف والرياء، لأنها ستنتهي إلى نتائج سلبية أبرزها إضاعة الطريق إلى جواهر الأشياء، وتوسيع الهوة بين القاضي والناس، ممّا قد يؤدّي إلى زعزعة الثقة بأحكامه.
و”الهدوء” وجه آخر من وجوه التواضع، وهو من أمضى الأسلحة القضائية نفاذًا، لأن الغيظ والغضب والحماسة والغليان تعتبر عواطف جارفة، وعوائق في الطرق الموصلة إلى العدالة، وبابًا لفقدان السيطرة على النفس والمواقف.
ومن أهم الأوجه “التواضع العلمي”، لأن العلم عمومًا، والقانوني خصوصًا بحر محيط، فيتحتم على القاضي ألا يكتفي بما حصله من المعارف، وما عالجه من المسائل، وإنما يسعى إلى اكتساب المزيد مهما توسعت ثقافته، وتكثفت تجاربه.
وينبغي عليه “الابتعاد عن المجاهرة بصفته القضائية” بقصد استغلالها، وذلك لئلا يستخدم نفوذه لمصالحه الخاصة، أو يتصدر في تعامله مع الآخرين، لأن التواضع بوجوهه الجمة يمكن أن يتمثل في العديد من المواقف التي تواجه القاضي، فعليه في حياته اليومية وفي رحاب المجتمع ألا يسعى إلى التصدر والمجاهرة بصفته ليظفر بالتقدير تباهيًا يسيء فيه إلى مركزه، فضلاً عن أن يتعامل مع من يخالطهم كمعاملة الرئيس للمرؤوس، ناهيك عن استغلال موقعه لإنجاز معاملاته الخاصة، لا سيما عند مخالفته للقوانين في سبيل تأمين حاجاته، أو تحقيق رغباته، وينطبق ذلك على كل ما يعود بالنفع على أفراد أسرته وسائر المرتبطين به سواء برابطة قربى أو مودة، وعليه ألا يسمح لهؤلاء باستغلال موقعه لاجتناء المكاسب الخاصة، مع وجوب أن يحسن مخاطبة الناس في مجالسه القضائية، وأن يكون تحت ظل الشريعة والقانون لا المزاج الشخصي لدى اتخاذ القرار، وعليه ألا يكون قابلاً للاستثارة والاستفزاز، وألا ينزع إلى الانتقام إذا صدرت عن سواه تصرفات غير لائقة، وأن يكون سلس المعشر في تعامله مع زملائه، متقنًا فن الإصغاء، غير متجبر ولو تفاوتت المراكز، وأن يجتنب كل مباهاة بقدراته ومناصبه، ولا بد أن يدرك بأن هالة القاضي في نهاية المطاف لا تتكون بفعل اصطناع المواقف، وإنما بفعل البساطة العميقة التي تنشر ظلالها عليه، وتجعله محطًا لأنظار الناس ولإعجابهم به وبالقضاء والقضاة.
نقلاً عن صحيفة "مكة"