هل حان الوقت لإنشاء هيئة مواطنة؟
المراقب للأوضاع الداخلية والعلاقات المتشابكة بين مصالح المواطنين والمؤسسات رغم عدم وجود مؤشرات أو جهات معنية بقياس درجة الرضا عن الخدمات التي تقدم للمواطن، يجد أن هناك حالة عدم رضا عامة، حالة شائكة من التوتر المقابل للفساد و»المرمطة» التي يجدها أو يقابلها المواطن من قبل الكثير من الجهات والمؤسسات.
ومفهوم الفساد لا يتوقف عند السرقات وخيانات الضمير، بل يتعداه إلى الفساد الأخلاقي والخدمي والتبلد في الأداء الوظيفي والاستغلال والابتزاز الذي تمثله قطاعات الخدمات التجارية بكل أشكالها وتنوعاتها من أكبر الشركات إلى أصغر عامل يقف في شوارع صارت معروفة لمن يريد خدمات «نصف كُم» من عمالة هاربة ومتسربة ومشتراة تأشيراتها من مستفيدين لا يعنيهم ماذا يقدم العامل بقدر ما يقدم لهم آخر الشهر.
هذه الحالة التي يواجهها المواطن بشكل يومي أفضت إلى حالة من القلق والتوتر صارت هي السمة الظاهرة في أخلاقنا اليومية وتعاملاتنا مع بعضنا بعضا، في الشارع في البيت في العمل، لا أحد يطيق أحدا ولا أحد يمكن أن ينهي مسائله العالقة دون أن تنفقع مرارته من الترداد والمراجعات والواسطات والشفاعات، هذا فيما يخص بعض الجهات الحكومية، أما ما يخص المؤسسات الأهلية فتكلان على الله، حيث لن يجد أحدا ينصفه إلا ذراعه أو لسانه أو قلبه.
العديد من الحكايات لدى الناس، حكايات يومية لا تنتهي من الفوضى في التعاملات والتجاهل والجشع وعدم الإتقان، لا شيء ينتهي بيسر ولا شيء يتوقف عن إنهاك المواطن في حياته اليومية، هذه ليست صيغة مبالغة في تشخيص الوضع السائد في مواجهات المواطن اليومية مع احتياجاته، هذه حقيقة نقابلها في كل مراجعة أو قضاء أي من احتياجاتنا، فإذا كان الأمر كذلك فما الجهة التي نعوّل عليها في حقوقنا الضائعة؟ وما هي المقاييس التي من خلالها يمكن قياس جودة الخدمات ودقتها وإتقانها وتفاني الموظفين فيها في خدمة المواطن والعمل بضمير؟
لماذا لا أحد معني بأحد؟ لماذا كل شيء فعلا لا ينتهي إلا بشق الأنفس، هذا إذا انتهى، هذه الفوضى لصالح من، ومن الذي يغض الطرف عما يحدث؟ ولماذا لا أحد يحاسب أحدا، هل المواطن رقم زائد وهل استمرأ الكل هذه الأفعال في حق احتياجاتنا؟
كل هذا إذا لم نتنبه ونتحرك ونفعل شيئا لمعالجته سيؤدي بنا إلى حشود من القلق والتوتر لا تطيق حتى أنفاسها، وقد بدأنا بالفعل.
أعطونا جهة واحدة تفخر بأنها تخدم المواطن كما يجب عليها أن تفعل، وأنها لا تتردد في إنجاز ضميرها منذ عتبة الباب وحتى آخر توقيع أو ختم أو خدمة.
ربما يلفت انتباهنا تحرك بعض المؤسسات الحكومية في الفترة الأخيرة، وزارة التجارة مثلاً، وما يقوم به وزيرها الشاب، ما يعكس أنموذجاً مهماً تجاه العمل المسؤول، رغم الانتقادات التي لا تزال تطال هذه الوزارة التي نامت فترات طويلة على أعتاب ما يمكن العمل عليه.
لكننا أمام وضع «عام» شائك ومعقّد ومعقود بتاريخ طويل من الغياب التام عن وضع المواطن واحتياجه كأولوية، ما أوصلنا إلى حالة من عدم الرضا والشكوى الدائمة والمبررة حتى مع تقدم أو تغيّر بعض الإجراءات الحكومية وانتقال بعض المؤسسات إلى الخدمات الالكترونية التي لا نزال ننتظر إتقانها واختصارها للوقت والجهد وتحقيقها للمرونة التي يمكن أن تختصر عرائض طويلة من الانتظار والاعتماد على وسائل اجتماعية لاختصار الوقت والجهد بدلا من أن تكون الخدمات هي «الوسيط» الأهم والأقدر.
السؤال: هل ما نزال نعاني من العنصر البشري في إنجاز مهام أي جهة؟ لماذا؟ وكيف يمكن تحويل هذا العنصر إلى أول خطوة للإنجاز والعمل؟
هل هناك بديل عنه للتخلص من أعباء إدارة المؤسسات وخدماتها؟ وهل وضع بدائل سينقلنا إلى مرحلة أثمن وأجدى وأهم؟ ماذا ينتظرنا ولماذا ننتظر؟
لو أن أي جهة تنظر إلى أي موضوع يطرح عنها على أن الهدف منه تحسين أداء هذه الجهة لا الانتقاص منها، أعتقد لو حدث، لخلقنا ورش عمل هائلة تختصر كثيرا من الوقت والجهد أو على الأقل إيضاح الأسباب، لا البحث عن مبررات للانتقاص أو الاتهام!
نقلا عن صحيفة "مكة"