تصور منطقي
لا يمكن الاكتفاء بالقول إن تاريخ البشرية منذ البداية إلى الحقبة المعاصرة يسعى إلى غايات اجتماعية نبيلة، على الرغم من الاختلاف والتنوع، والأحداث المتأججة بين الرفض والقبول، بين الحرب والسلم، وبين العدل والظلم.
بل هناك دلالات متعددة تشير إلى مسافات متقاربة بين قارات العالم، أوجدها المعيار الديني وساهم في ثراء الثقافة القديمة والحديثة، إضافة إلى تقنية هائلة لها أطراف متعددة، وأخرى متجددة تدير دفة الحاضر نحو عالم صناعي ضخم يمتلك قدرات عظيمة، وثراءً هائلاً من الموارد البشرية، ويعيش الإنسان نمطاً مختلفاً وبشكل مكثف، يسعى لإدراك موقعه الإنساني والأخلاقي والتقني.
فكلما حاول الفرد إرجاء النتائج غير المرضية إلى وقت آخر، تخلخلت أعمدة القرار، وتراجعت همة السعي إلى الهدف، ورُفعت قسراً رايات رمادية اللون نتج عنها جوهر يكتنز زعزعة وتناقضاً لا يرتبط بالآخرين أو بالعصر.
إننا بصدد أحداث متنوعة وتحولات وتفاعلات في تسارع مستمر، وقوى متصارعة مما جعل الناس بالغي الحساسية، يسيطر عليهم القلق، والأرق، وكثرة الجدل، وزج المفردات النابية في معظم الحوارات التي تدور بينهم، مما يدعو إلى أبحاث أخلاقية وسياسية وأدبية، على نمط "دافيد هيوم" الذي اعتمد في فلسفته التجريبية على أهمية الجوانب الحسية الجمالية في الأخلاق وراعى كثيراً رهافة الإحساس واختلاف الأذواق التي تجمعها وتوحدها، إن جمال الكلمات الرقيقة واللطيفة، والأثر الذي تتركه في النفوس أكثر إقناعاً، وحضوراً فعلياً وتعايشاً متناغماً، ينعكس إيجاباً على الأفعال والأقوال.
قد تكون نوبة متأخرة من النصوص التي يجب كتابتها منذ زمن بعيد، وتكرار أهدافها بحيث تصب في عمق النفس البشرية الراغبة في الرعاية، وتعطي مزيداً من النقاء وبناء تصورات راقية ذات معنى نبيل، يجسد التلاحم والألفة.
فالعلم والتطور والتقنية دون أخلاق لا تنتج عبقرية أو خصائص إبداع كاملة، لما للإحساس من علاقة وثيقة بالإدراك، وقد أورد "هيوم"حججاً نصية أوضح فيها مفهوم الإدراك الحسي والشعور والدور الكبير بينهما، وكذلك أوجد الفروق بين الفكر النقدي والحوار واحترام الرأي الآخر، وتوظيف التكنولوجيا توظيفاً واعياً يعي ذاته والآخرين، مهما اختلفت السياسة والظروف الاقتصادية، فالإنسان يعمل على تصويب الأخطاء التي توارثها، ويحاول جاهداً على تعديل أسلوب حياته، ويقاوم كثيراً من الإغراءات بدعوى تشبع الرغبات، فالمجتمع المفتوح لا يخلو من الأعداء والأصدقاء والترهات الغريبة، والمفارقات التي تستدعي كماً هائلاً من الشعور الخلاق ومزيداً من التسامح والعفو، لأن الحياة لا تستقيم بلا اختلاف وتناقض وتوافق.
وثمة حجج ونصائح منذ القدم توارثها الناس وغيرت نسب الشرور في المجتمعات وتبعها منطق التحول والانقلاب كالانقلاب من حال فقر إلى رفاه ومن اضطراب وفوضى إلى استقرار، فمتى ما حضرت الضرورة تضاءل الاحتمال والاختيار، فمن آمن بأن بالحب والاحترام ومهارة الاتصال توجد الألفة بين الناس، وتؤدي إلى تحسن حقيقي، فقد ربح الرهان.
ومن الأهمية بمكان قد تحقق هذه المشاعر نتائج ملموسة تختزل الخلاف، وتعطي ثمرة التوافق والترابط الاجتماعي. إن العاطفة مكمن الانفعالات ولها هيمنة كبيرة على الإنسان، فمتى ما نشطت تمت السيطرة على ردة فعل الروح المتذبذبة، التي تبقى بمثابة معبر بين الأنا والآخر، وترعى بجدارة إعادة بناء العالم الاجتماعي من جديد بعد الأزمات المتتالية، ومن ثم إيجاد وسائل لغايات جمالية إنسانية، ونوايا أكثر نقاء وصفاء لحياة أفضل، فما أجمل أن تفهم الواقع ولا تربطه بالوضع الاقتصادي أو السياسي، إن الكون أجمل من أن يترك بلا إدراك وشعور.
نقلا عن صحيفة "الرياض"