.
.
.
.

اسبقني يا قلبي اسبقني

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

غالبا الفرح الزائد على الحد قد يعمي البصيرة، وكذلك الحزن.. لهذا فأنا لا أفرح فرحا مبالغا فيه وذلك ترقبا للأسوأ، وفي نفس الوقت لا أحزن حزنا يصيبني باليأس.
أبعد الله الأحزان منكم، وجعلكم ترقصون من شدة الفرح إلى أن تعمى بصائركم، مثلما رقص أحد الذين أريد أن أحدثكم عنه اليوم.
ففي سنوات مضت مـر علي في منزلي (بطل) هذه المقالة وأخذني معه لقضاء سهرة وعشاء عند أصحابه، وأنتم تعرفونني من سرعة موافقتي وقبولي لتلبية الدعوة من أي كريم، خصوصا عندما تكون فيها محفولا مكفولا (من إلى)، سيارة تأخذك من البيت ثم تذهب بك إلى مجلس مريح لتشرب الشاي والقهوة، وتأكل مما لذ وطاب، ثم تعيدك مرة أخرى لبيتك كاملا غير منقوص.
نسيت أن أصف لكم ذلك الرجل الشهم الكريم الذي عرض علي مرافقته، فهو ماشاء الله كتلة من العضلات غير المتناسقة.
وكان طوال الجلسة سعيدا بدرجة قياسية، والسبب أنه في الغد سوف يسافر إلى القاهرة للقاء خطيبته هناك.
وبعد أن تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، غمز لي بعينه إشارة إلى أن أتهيأ معه للمغادرة، وهذا ما حصل رغم أني تشبثت لدقائق بمكاني للاستزادة من شرب الشاي في هذه الجلسة المريحة الفرفوشة.
المهم أننا خرجنا ليذهب بي إلى منزلي، وكان طوال الطريق ومن شدة حبوره يغني أغنية عبد الحليم: اسبقني يا قلبي اسبقني / للجنة الحلوة اسبقني.
وقبل أن نصل واختصارا للطريق دخلنا في شارع فرعي ووجدناه مسدودا ببعض البراميل الفارغة حيث تجري إصلاحات هناك، حاولت النزول لإزاحتها غير أنه رفض ذلك وقال لي وهو يضحك: انظر ماذا سوف أفعل، وفتح زجاج نافذته وأخرج منها يده اليسرى مع ساعده وعضده ووجه بقبضته الكبيرة لكمة (بوكس) قوية للبرميل وإذا به يتدحرج بعيدا، وأتبعه بالثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، ودون أن ننتبه أن البرميل الخامس كان ممتلئا بالأسمنت. ولازلت أذكر أنه عندما وجه له لكمته الخطافية، أول ما سمعت قبل صرخته، سمعت طقطقة وتكسير العظام، فأوقف السيارة ومعها الغناء طبعا وهو يكاد أن يغمى عليه من الألم وغزارة النزيف، بعدها تمدد بالمرتبة الخلفية وهو يون ويحن، و (....)، فيما تحولت أنا إلى سائق سيارة إسعاف، وذهبت به بأقصى سرعة إلى قسم الطوارئ بأقرب مستشفى، واتضح أن لديه كسرا مضاعفا في ساعده مع تكسير عدة فقرات بأصابعه، ونوموه في المستشفى عدة أيام بعد أن جبسوه ومكث بالجبس عدة أشهـر..
وهذا كله حصل له نتيجة للفرحة الزائدة، فلم يسبقه قلبه إلى الجنة الحلوة، وإنما قادته قبضة يده إلى قسم الطوائ.

نقلا عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.