الدولة خيمتنا الكبيرة

محمد بن عبدالله العوين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

الدولة هي المنهج والرؤية والطموح والأهداف والغايات السامية النبيلة التي بذل من أجلها الآباء المؤسسون دماءهم وأرواحهم، الدولة هي التأسيس والأرض والعرض، هي خيمتنا الكبيرة التي نتفيأ ظلالها، وهي الجامع المانع الحامي بعد الله سبحانه، وهي المتكأ الذي نستند إليه وننتسب له، وهي الرباط والعقد الذي تلتف أيدينا حوله وتنبض مشاعرنا خوفاً ووجلاً عليه.

قبل أن تكون لنا دولة كيف كنا؟!

ولو لم تكن لنا دولة كيف نحن الآن؟!

ألم نكن أشتاتاً؟ ألم نكن متنازعين غازين أو مغزوين؟ ألم نكن فقراء بائسين وقبائل منسيين في متاهات القفار والغبار والقحط؟ ألم نكن مهملين منسيين من الأقربين قبل الأبعدين؟ ألم تكن هذه الجزيرة الثرية العظيمة بما حباها الله من شرف الرسالة النبوية ومهبط الوحي مصدرَ النور ومنطلقَ فتوحات الدولة الإسلامية الأولى في عز توسعها وقوة امتدادها؟ ألم تكن خزان وقود الجيوش العربية التي شرقت وغربت؛ فكيف يمكن أن ينكر جاحد أو متحامل ما قدمته جزيرة العرب في المراحل الأولى من التاريخ العربي الإسلامي من قادة فاتحين وتعاليم أخلاقية عظيمة ثم الدور السعودي الإحيائي والإصلاحي لمفهومات العقيدة الصحيحة التي نهضت بها الدولة السعودية منذ قيامها قبل ثلاثة قرون إلى الآن.

أرأيتم لو لم تقم لنا دولة عربية إسلامية ماجدة هي الدولة السعودية بعد إهمال مريع من الخلافات العربية والإسلامية في دمشق وبغداد وغيرهما من عواصم بلاد الإسلام امتد ألف عام كيف يمكن أن نغدو؟!

لا؛ بل إن عاصمة الخلافة الإسلامية العثمانية في «استانبول» لم تنهب هذه الجزيرة خيراتها ولم تصادر مكنوناتها من الثروات التاريخية والعلمية، ولم تهجر خيرة موهوبيها إليها فحسب؛ بل شنت عليها الغزوات، وبعثت إليها بالجيوش لتحرق الأخضر واليابس وتريق دماء الأبرياء وتقتل علماء الدين وحفاظ القرآن.

أرأيتم كيف تمكنت الرغبة اللئيمة في تلك النفوس بحيث كوفئ أهل الجزيرة بعد أن فتحوا الشرق والغرب ورفعوا راية الإسلام أسوأ مكافأة وأعق جزاء؛ وهو الإهمال والنسيان، ثم حين تشكل الوعي عند الإمام المؤسس الأول محمد بن سعود - رحمه الله - بضرورة قيام دولة إسلامية تنهض على العقيدة السلفية الصحيحة وأدوها في مهدها إلى أن أراد الله لها القيام والنهوض من جديد.

الدولة السعودية هي مشروعنا السياسي الأول والكبير بعد أن هاجرت عاصمة الدولة الإسلامية الأولى من المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام 41هـ في عهد الخليفة الراشد الرابع علي رضي الله عنه إلى الكوفة؛ فكيف يمكن أن نفرط فيه أو لا نذب عنه؟!

لقد غاب مفهوم الوطن بتاريخه العظيم وكفاح الآباء والأجداد المؤسسين عن بعض أبناء هذا الجيل - مع الأسف - فترامت إلى مسامعنا دعوات صبيانية جاهلة تنعق بما لا تدرك وتنطق بما لا تعقل وتسوق مقولات مندفعة تشق اللحمة الوطنية وتزعزع من مفهوم الولاء للوطن وقيادته وهم لا يعلمون أن وراء ما يبث عبر وسائل التواصل الحديثة كيوتيوب أو تويتر جهات أجنبية مغرضة وحاقدة شرقية وغربية توظف اندفاع الشباب وجهل بعضهم وقلة تجربة آخرين منهم في الحياة ونقص المعلومات السياسية الكافية فتجعل منهم أدوات لتحقيق مآربها وطموحاتها اللئيمة في شق الصف الوطني وإحداث الفوضى.

ألا يتصور هؤلاء الحمقى المندفعون ما حدث لبلدان عربية مجاورة دبت فيها نيران الانقسام والخلافات ودخل في تزعم وقيادة رغبات التغيير المزعومة مفسدون ومخربون وعملاء وحاقدون وجهلة وأصحاب أجندات خفية فثارت تلك البلدان على نفسها واشتعلت فيها حرائق الخراب كما حدث أمام أعيننا وإلى الآن في دول ما يسمى بالربيع العربي زوراً وبهتاناً في مصر وتونس واليمن وأخيراً المحرقة السورية التي تدون بلون الدم.

المملكة العربية السعودية في تجربتها السياسية الفريدة تقدم النموذج الوحدوي الذي صمد على مدى ثلاثمائة عام رغم التحديات الصعبة، وهي النموذج التنموي المتصاعد دون ضجيج على خلاف ما كانت تفرزه الماكينة الإعلامية العربية الثورية من ضجيج إعلامي فارغ في بلدان الأنظمة العسكرية.

نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.