وش صار بعد ذلك
يتطور الإنسان لأنه يتعلم من التجربة. إذا تسمم من شجرة لا يقربها بعد ذلك وإذا لسع الموقد المشتعل الطفل مرة واحدة فلن يعود إليه. إذا نظرنا لتاريخ الإنسان سنكتشف أن حياته الحالية قامت على تجارب أسلافه. عصرنا الحالي وهو عصر تخزين التجربة وتعميمها. الجامعات والمدارس والمعاهد هي في أبسط صورها مواقع لتخزين التجارب وتمريرها من جيل إلى جيل ومن أمة إلى أخرى. هذه التجارب تنمو باطراد وتتحول إلى دروس. إذا هبت الريح وطيرت أحد أبواب منزلك لا تكتفي بإصلاح الباب المخلوع في انتظار أن تأتي الريح مرة أخرى لتخلع الباب الآخر وتصلحه ثم الثالث وتصلحه. التجربة تدفعك لمراجعة وضع الأبواب وربما تدفعك أيضاً لمراجعة وضع النوافذ أيضا وأي شيء آخر معرض للريح. وإذا حدث أن أصيب طفل جراء مبيد حشري في الحديقة لن تكتفي بإبعاد ذلك المبيد وإنما ستدرس وضع الحديقة كلها وتزيل منها كافة الأخطار المحتملة.
ما يحدث في داخل البيت يحدث في داخل الوطن أيضا.
مرت علينا ثلاثة حوادث ضجت وأصبحت قضية رأي عام. الأولى حادثة الطفلة رهام التي حقنت بالخطأ بدماء ملوثة في مختبر للدم في جيزان. تابعنا بشغف وحنان وتعاطف كبير تطور حالة الفتاة حتى بشرنا المسؤولون أنها نجت من المرض. لا شك أن نجاة الفتاة منّة من الله ونصر كبير لاهتمام المسؤولين ونجاة لهم من لوم الضمير الأخلاقي. بعد أن اطمأننا على الفتاة لم يطرح السؤال. ما هي الإجراءات والتطويرات التي اتخذتها وزارة الصحة لتطوير المختبرات في المملكة لكي لا تتكرر الحادثة مرة أخرى. وقوع مرض الإيدز في وسط الحادثة هو الذي أعطى حادثة قيمة وجعلها رأياً عاماً وشكل قوة ضغط هائلة. لكن مرض الإيدز ليس هو المرض الوحيد الذي يمكن أن ينتقل عن طريق الدم. هناك أمراض أقل ترويعاً يمكن أن تنتج عن الإهمال في المختبرات. ما روّع الناس في قضية رهام لم يكن قضية معزولة يمكن أن يغلق ملفها بعد الانتهاء من دفن الضحية أو نجاتها. القضية مربوطة بشيء يتعلق بمصيرنا جميعاً. كل فرد منا سواء كان طفلاً أو بالغاً معرض أن يتلقى دماً ملوثاً إذا استمرت المختبرات على ما هي عليه. ما الذي فعلته وزارة الصحة لتأمين مختبراتها والمختبرات الأهلية لتضمن عدم تكرار الحادثة؟ هل استدعت وزارة الصحة على سبيل المثال كل المرضى الذي حقنوا يوماً من الأيام دماً من ذات المختبر وكشفت عليهم لتتأكد من عدم إصابتهم بأمراض بما فيها الإيدز؟ هل وضعت الوزارة خطة واضحة ودقيقة لإعادة النظر في إدارة المختبرات أو استعانت بمؤسسات عالمية للمساعدة وتقديم الخبرة اللازمة لتحصين المختبرات؟
الحادثة الثانية سقوط طفلة بريئة في إحدى الآبار المهجورة وانتشالها قطعة قطعة. ضجت وسائل الإعلام وتابعت عملية إنقاذها ثم علمية إخراجها يوماً بيوم. لكن ما الذي فعلته وزارة الزراعة لمنع وقوع مثل هذه الحادثة مرة أخرى. من الحوادث التي نتذكرها أيضا تسرب صهريج نقل الغاز وانفجاره في الرياض. ترحمنا على الموتى وأزالت الأمانة الجسر المتضرر ولكن السؤال ما هي الإجراءات التي اتخذت لمنع تكرار الحادثة.
الحوادث خصوصاً الكبيرة منها فرصة للتطور والتقدم على كافة المستويات وليس فقط لمنع وقوع الحادثة مرة أخرى. كل أمة متقدمة لا تكتفي بمعالجة الحادثة الطارئة وإنما تركز على أسبابها وتتبع تشعباتها لمنع وقوعها مرة أخرى والتعلم منها. هذه هي الطريقة التي يعمل بها العقل الإنساني السليم.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"