.
.
.
.

ثقافة الاختلاف عنوان لأصحابها

أيمن زريعة الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

أيمن زريعة الشيخ
ألم تجد يوما نفسك مرغما على السكوت عن الحديث والحق البين معك، مع قدرتك على النطق به وفقط لأن الطرف الآخر قد يسيء إليك ويسمعك ما لا ترضى فتضطر للصمت؟ ألم تجد نفسك تتحدث وتناقش وتستشهد والآخر لا يقيم لك ولا لاستشهاداتك وزناً، وقد يتمادى ليمارس دوراً تربويا عليك؟
لا تتعب نفسك في حوار من لا منفعة ترجوها منه.
هذه المدونة كنت قد دعيت من قبل أحد الأصدقاء للكتابة عن الاختلاف ولم أقبل أو أرفض في حينه، رغم أننا كنا في صخب الحوار بين شخصين كلاهما يريد أن يسمع الآخر صوته مع أنهما لو همسا لسمعنا وكلاهما يرى أن الحق الأبلج معه! ولكن تأخرت عن الكتابة وقد فتح الله عز وجل على اليوم لأتحدث عن الاختلاف حينما كنت أقرأ عن سيرة الإمام الشافعي رحمة الله عليه وعن مفهوم وثقافة الاختلاف، فربما أفضل ما يستشهد به في الاختلاف من أقوال البشر هي أقوال الأئمة والحكماء لإدراكَهم أن تقبل الرأي الآخر كاملا ومناقشته كان أكثر صدقا ورغبة للوصول إلى الحق منه إلى الغلبة والغرور بالعلم.
ومما يستشَهد به قول الإمام الشافعي رحمة الله عليه «ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلها مني إلا هبته واعتقدت مودته، ولا كابرني أحد على الحق ودفع الحجة الصحيحة إلا سقط من عيني ورفضته» وقوله «من إهانة العلم أن تناظر كلّ من ناظرك، وتقاول كل من قاولك».
فالتفكير في هذين القولين والتأمل فيهما والبحث عن مبعثهما لدى الإمام الشافعي لا بد أنه سبيل إلى شاطئ من الأفكار الجديدة في فهم الاختلاف وتبني ثقافته، وسيزيدنا حرصا كذلك في اختيار مخالطينا من البشر لأن النفس ترقى مع رقي العلم فيها.
ويتضح جليا أننا في بعض حواراتنا نفتقد الكثير، وأن حقيقة رغباتنا اليوم هي الفوز دوما فيها وتسجيل نقطة لصالحنا وتوجيه الآخرين وقمع آرائهم وتسفيهها لمجرد مخالفتهم لنا بل وحتى إملاء آرائنا عليهم كأنها الحق البين وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمة الله عليه «ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة».
إن تشويه الحق لمجرد أنه لم يجر على ألسنتنا ومن خلالنا أسوأ من قول الباطل بجهل منا، وما بلغناه اليوم من اختلافات كثيرة وعميقة ومتشعبة وفي مستويات مختلفة في الحياة العامة أو الاجتماعية، تؤدي بنا في أحيان كثيرة إلى القطيعة المؤقتة أو الدائمة وإلى أسوأ من ذلك كله سببه أننا لا نتوقف عند الحق حينما يظهر لنا بل نتمادى في الثبات في الرأي ولو كان خطأً.
كل ذلك هو مدعاة للعقلاء إلى محاولة إيجاد الحلول والبحث عن الممارسات الصحيحة والعادلة في تقبل الآخرين واستيعاب آرائهم وتفهم أهمية ثقافة الحوار والمحاور، وأكثر من ذلك هو البحث عن الذين يشابهوننا في نفس المبادئ حول الحوار وثقافة الاختلاف ويطبقونها لنصل معاً إلى الحق البين الذين نطلبه جميعا لا أن نخسر حواراتنا ونسيء لمحاورينا وإلى الحق لنتبع الهوى وندع للشيطان فرصة بيننا.
تعلمنا القراءة والكتابة في صغرنا ولم تكن ترافقها تعلم آداب الحوار والاختلاف بيننا ولكننا اليوم تعلمنا بالطريقة الصعبة، لقد تعلمنا من خلال أخطائنا فهل من تدارك لذلك للأجيال القادمة.

نقلا عن صحيفة "مكة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.