خطورة الشروط المسبقة !
في الحياة السياسية أو الإدارية أو حتى الاجتماعية لا يستطيع الجانب الأضعف فرض شروطه المسبقة مقابل قبوله المشاركة في حوار أو تجارة أو إدارة أو مفاوضات، ولذلك ليس من الحصافة عندما يدعي ذلك الطرف الأضعف لمثل هذه المشاركات أو يتقدم هو بطلب المشاركة أن يقدم مع طلبه أو مع استجابته للدعوة شروطا مسبقة حتى يقبل بالمشاركة لأن الجواب سيكون بالرفض التام لشروطه المسبقة لأنه ضعيف وغير قادر على فرض شروطه على الجانب القوي فما هي فائدة أن ينفخ ريشه مثل الديك الصغير ما دام يعلم أنه أمام خصوم أقوياء قادرين على مرمشة عظمه في لحظة خاطفة، وحتى لو لم ينله من رفض الأقوياء لشروطه المسبقة ضرر مادي مباشر، فإن الضرر المعنوي واقع عليه لا محالة لأنه لو قدم شروطه المسبقة وأكد تمسكه بها مقابل المشاركة فيما دعِي إليه ثم تراجع عنها بعد رفض الأقوياء لها وإلقائها في وجهه، فإن تنازله عن تلك الشروط سيجعله أكثر هوانا لديهم لأنهم سيدركون أن تنازله المتأخر عن شروطه دلالة على ضعفه الشديد وعدم قدرته على الامتناع وقبوله بالانصياع والإذعان لهم وعندها تكون مشاركته في الحوار أو المفاوضات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية مشاركة مذعن منصاع لا يملك إلا القبول بما يفرض عليه من إملاءات، وهذا الأمر ينطبق أكثر ما ينطبق على المفاوضات في عالم السياسة والاقتصاد ولكن الأمر يشمل الحياة الإدارية والاجتماعية فإذا عرض على إنسان ما منصب أو عمل فظن أن مقدمي العرض لم يجدوا غيره فاختاروه ولم يكن الأمر كذلك ولكن الاختيار جاء لقربه منهم ولأنه واحد ممن تناسب خبراتهم ومؤهلاتهم المنصب وليس لأنه فريد زمانه فيه، فإن ظنه سوف يدفعه إلى تقديم شروط مسبقة مقابل قبول العرض فترفض شروطه لأنه لم يعرف قدر نفسه وأكل فيها مقلبا مربعا، فإن عاد وأبلغهم بتنازله عن الشروط المسبقة فإما أن تكون الفرصة قد طارت وذهبت لغيره وإما أن يواجه في تلك الحالة بشروط إذعان يقدمها له صاحب العرض الوظيفي لأنه يعلم أن «المليح» لم يتنازل عن شروطه المسبقة إلا بعد أن أدرك الحقيقة.. حقيقة نفسه وأن نظرته إليها كانت نظرة نرجسية لأن كثيرا من الناس يرون أنفسهم أكبر من واقعهم الحقيقي ثم يصدمون ويكتئبون إذا ما عوملوا بغير ما يظنون ويقدرون؟!.
نقلا عن صحيفة "عكاظ"