الكائنات المحتجة

علي القاسمي
علي القاسمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

المزاج وقل المعرفة وركوب الرأس وامتلاء العقل بكمية رهيبة من الشك تشكل في مجملها أسس الدفع الرباعي للمحتجين والغاضبين والمستائين من أية فكرة قادمة، وجديد لم نعتد عليه، الكائنات المحتجة لا تفعل شيئاً وتريد أن تكون كل شيء، تؤسس من دون قصد لتسطيح العامة، وتشكل عن عمد فريقاً من القافزين مع أي سطر والراكضين خلف أي ضوء.

لا فائدة من سرد كل القصص المحلية التي وقفت فيها الكائنات المحتجة بطلة المشهد، ولا أظن أن هناك عاقلاً لا يعرف الإجابة الوحيدة للسؤال الأبرز في مسيرة بطولتهم: لماذا تفعل هذه الكائنات كل ذلك؟ ولا حاجة مطلقاً إلى أن نستدعي أسس الدفع الرباعي لخطواتهم فهي معلومة معروفة، وأسهم الصمت الطويل وصبر أيوب في استمرار بطولات الهواة، ومعها استمرت الحياة على رغم النتوءات والإزعاج المصاحب.

تتميز الكائنات المحتجة بالقدرة البالغة الدقة على التفريق بين من يريد بنا خيراً وذاك الذي يضمر شراً، كما تملك براءة اختراع على وزن براءة خداع في قراءة واستشراف المستقبل للحد الذي تشعر معه أنها جامعات متنقلة في جميع التخصصات، ومعها تنتفي الفائدة من أية مؤسسة دينية ولا تنظيمية ولا تشريعية، كائناتنا المحلية أيضاً تتميز بأنها عاجزة عن إدارة نفسها، وغير قادرة على اكتشاف أين هو موقعها بالضبط، ما سهل لها السباحة في أي بحر والدخول المباشر في نيات الآخرين، والحضور في أية مساحة ممكنة، لأن حضورها يعني أن الدين في خطر.

كمية الاحتجاج التي نعيشها برفقة أحداثنا المحلية والقرارات التي تحدث التغيير تؤكد أن بيننا فريقاً كبيراً لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، فريق الاحتجاج خطته الدائمة تنحصر في رؤيته العامة الآتية: «لأجل كسب مزيد من الأرباح وتحويل القضايا إلى مشاريع رأي ذات جماهيرية رفيعة وعالية، عليك أن تسحب - بمهارة - أي طرح جديد وفكرة غير مستساغة لطاولة الدين، ومن ثم اسكب عليها ما شئت من مفردات التغريب والتغرير والسقوط والضياع والسفور، لتشتعل الساحة فوراً لأن العاطفة تكون حينها سيدة الموقف»، أما الرسالة الظاهرة المستترة فتنص: «على السيد المسؤول أن يستشيرنا ويحتضننا ويسمع منا، لأننا المتحدثون باسم الدين والأوصياء على الناس».

فكروا في استخراج الكلمة الأساسية للكلمة التي تلعب معنا اليوم كلاعب احتياطي، كلمتنا الاحتياطية هي «المحتجة»، لأن الكائنات لاعب أساسي لا يمكن استبداله، ومن دونه لن تستمر أية بطولة ولا يمكن أن يتحول أحد ما من هاو إلى محترف، فتشوا جيداً عن الكلمة البديلة، ليست بعيدة عنا، ستجدونها بلا شك وتأكدوا أن الكلمة الأساسية تحوي - وللمصادفة - ما يقترب من ثلاثة أرباع أحرف الكلمة الاحتياطية، بقي شيء لا بد من قوله: «الكائنات في ازدياد لأن حبها لخطوات الخلف يفوق حبها لخطوات الأمام، خطوات الأمام مسكونة بالشكوك والحرام، وخطوات الخلف مباحة ويملأها اليقين، ولتظل متزعمة مواقعها واستراحاتها لا بد أن تقول: لا لكل رأي جديد، وإلا كانت خطبها المكررة منزوعة الدسم ومنتهية الصلاحية!».

نقلا عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.