.
.
.
.

تكاد المماطلة تصبح قاعدة

عبد العزيز الذكير

نشر في: آخر تحديث:

صاحب مكتب تعقيب وتخليص جمركي يقول إنه عجز في سنينه الأخيرة عن دفع مصاريف محله بسبب التباطؤ.. والمراوغة.. والحيلة والأعذار بعدم تسديد أجوره من عملاء كان يعتبرهم قمة في الشرف والنزاهة واحترام القول.

صاحب العقار يقرع باب المستأجر بعد حلول قسط الإيجار. فيجيب أهله بغير موجود رغم انه رأى آثاره من سيارة أو نحوها تقف أمام الباب.

يكتب له ورقة.. ولا مُجيب.

يذهب إلى الشرطة..! فيمنحونه الاستدعاء المعتاد. بطلب الحضور.

يذهب مرة أخرى فيقال له أشياء أخرى.

وهذا جعل الناس يتساءلون ولا من مجيب: ماذا حل بالوعد والكلمة والوفاء التي كان الناس يعتمدون عليها بَعد الله دون الحاجة إلى كتابتها.

ألاحظ غلاظة علاج جديد، ربما أدى مفعوله، مع آثار جانبية، كالدواء تماماً، وهو محاكم التنفيذ التي رأينا تطبيقات أحكامها أخيراً. وأمام قدرة البعض أو الكثير على المراوغة أظن، بل أجد نفسي موقناً، أنه أمضى سلاح لاصطياد المراوغين، دون أن تكلّف الإمارة والشرطة والحقوق المدنية نفسها بقضاء الوقت في إحضار الخصم وجعله يفي الناس حقوقهم. فدعوة بواسطة الإعلان الصحفي يتبعها تطبيق مبدأ إيقاف الخدمات وربما المنع من مغادرة البلاد.

الملاحظة التي رآها الناس وأقروها سرّاً وعلناً هي أن التسويف في أموال الخدمات التابعة للحكومة، أو القريبة منها كالماء والهاتف والكهرباء وغرامات المخالفات، قليل جداً إن لم يكن معدوماً.

ونرى المواطن يسدّد تباعاً.. وبانتظام حتى لو كان المبلغ موضوع جدل. مثل عادل إمام في مسرحيته: "فاتورة التلفون مسدّدة.. مع إن ما عنديش تلفون..!".

الناس تخاف السوط.. ولا تخاف اللوم.

وعندي رأي، وهو إيجاد وسيلة تجعل المماطل يدفع ثمن مماطلته. فالمماطلة في تسديد حق ثابت تعود بالضرر على أهل الحقوق من جهة تأخر ديونهم، ومنعهم من الانتفاع بها تلك المدة وعدم تمكنهم من التصرف فيها، وهذا التأخر في سداد الحقوق هو في نفسه ضرر، وقد يترتب عليه ضرر آخر من جهة فوات أرباح متوقعة أو متيقنة، وقد يكون الضرر فعلياً كأن يحمله هذا التأخر والمماطلة إلى تكبد الخسائر المادية لأجل استخلاص حقه والظفر به أو ببعضه فضلاً عن الضرر المعنوي الذي قد يتكبده صاحب الحق من الحزن والابتذال بالمرافعة والمخاصمة وكثرة التردد، الأمر الذي يتنزه عن مثله أهل المروءات. لذا فإن بحث التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون، من جهة جواز التعويض المالي عنها أو عدمه، يجب أن يأخذ مكاناً في أجندات أهل العلم والتشريع.

نقلا عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.