.
.
.
.

حين يخاف المعلم!

يوسف المحيميد

نشر في: آخر تحديث:

كتبت مراراً أن عمود العملية التعليمية والتربوية هو المعلم في مختلف مراحل التعليم العام؛ فصلاحه وتفوقه وانضباطه وشعوره بالأمان على نفسه وماله ينعكس بشكل مباشر على مستوى التعليم العام، وعلى مخرجاته، وهم الطلاب؛ وبالتالي ظهور جيل مسؤول وإيجابي ومنضبط، يحترم التعليمات والأنظمة والقوانين.

لعل من أهم تحديات وزارة التربية والتعليم مع وزيرها الجديد الأمير خالد الفيصل هو كيفية إعادة هيبة المعلم، وحفظ كرامته مع جيل من الطلاب، يظهر بينهم لا مبالاة غريبة تجاه المعلم، بل تحديه بطريقة سافرة، سواء بالقول أو الفعل؛ ما يجعله يستسلم في النهاية، ويمنح الدرجات العليا لطلاب متسلطين، لم تستطع إدارة المدرسة، ولا إدارات التعليم في المناطق، ردعهم ومعاقبتهم!

هل من المعقول أن يتم الصمت عن توافر الحبوب المحظورة في المدارس دون ردع إداري وأمني؟ وهل من المعقول أن يتعرض المعلم إلى مختلف أنواع التهديد، من التهديد اللفظي، وحتى الفعلي، برشق سيارته وتكسيرها، بل إشهار السلاح في وجهه؟ وماذا نتوقع من معلم يتعرض لمثل هذه الأفعال؟ هل سيواجه كل ذلك بصدر عار؟ أم سيسير كالآخرين خانعاً ومستسلماً منفذاً طلبات هؤلاء الطلاب المتمردين؟

صحيح أن هذه الأفعال العدوانية تظهر أكثر ما تظهر في بيئات بعض الأحياء المنفلتة، أو القرى النائية، وأن ضبطها يرتبط بجهات أمنية، إلا أن هذه الجهات لا بد أن تعمل مع الجهات التعليمية بأسلوب تكاملي، بأن يتم التنسيق بينهما بشكل مستمر، بدلاً من ترك المعلم يواجه هذا الطوفان وحيداً.

أتمنى أن يكلف وزير التربية والتعليم لجاناً على مستوى عالٍ، لزيارة بعض المدارس في أحياء إشكالية في الرياض، وفي بعض المدن والقرى النائية، وتجلس هذه اللجان مع إدارة المدرسة ومعلميها، وتسجل المواقف التي يمارسها طلاب كبار سناً بالنسبة لمرحلتهم التعليمية التي ينتظمون فيها، وكتابة تقرير واضح وشفّاف، يتم رفعه للوزير، ومنه إلى الجهات الأخرى ذات العلاقة والاختصاص، من أجل ضبط عملية التعليم، وإعادة الأمور إلى نصابها، وما يترتب على ذلك من حقوق للمعلم، وواجبات عليه.

قد تكون مكونات التعليم وعناصره متواضعة.. قد تكون المباني والمختبرات والأجهزة غير جيدة.. لكن ذلك لا يعادل أبداً تواضع إمكانات المعلم، أو قلقه على مصيره، وعلى ماله؛ لأنه لا يستطيع العطاء تحت عوامل الخوف والقلق؛ ما يجعله يردد في سرّه: «وأنا مالي وعوار الرأس والقلق والمشاكل»! فيتخاذل ليس تكاسلاً، بل إحباطاً وعدم ثقة بحمايته، وحفظ حقوقه قبل انتهاكها!

جميعنا ندرك أن هؤلاء المعلمين والمعلمات يشكلون نسبة كبيرة من العاملين في القطاع الحكومي؛ وبالتالي فإن ضبط هؤلاء وحفظ حقوقهم هو أمر بالغ الصعوبة، لكن وضع استراتيجية ذات أهداف وسياسات واضحة، يتم تنفيذها تدريجياً، سيحقق الهدف المنشود ولو بعد سنوات عديدة. المهم أن نعمل، وتكفل للمعلم المناخات الصحية، التي تضمن تفوقه ونجاحه، الذي ينعكس على الطالب، وعلى المجتمع أيضاً.

نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.