ليكون عبرة لمن لا يعتبر

أحمد عجب الزهراني
أحمد عجب الزهراني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

حفلت الأيام الماضية بالعديد من القرارات والأحكام الصادرة من المحاكم المختصة أو اللجان شبه القضائية، ومع أن المتهم أول ما ينسب إليه الفعل المخالف بعد اكتشاف المخالفة أو الجريمة بلحظات ينهال عليه المجتمع بمختلف شرائحه، مطالبا بإيقاع أقصى العقوبة عليه (ليكون عبرة لمن لا يعتبر)، إلا أن المجتمع نفسه حين يستمع بعد مدة من الزمن للأحكام الصارمة التي صدرت بحق المدان في تلك القضية يبدأ في التعاطف معه والتماس العذر له والطعن في الأدلة والبراهين المقدمة والترويج لبراءتـه من كل الأفعال المنسوبة إليه!؟
هل يحق لنا أن نظلم شخصا لمجرد الاشتباه به، وأن نطالب بالإسراع في القصاص منه أو إيقاع أضعاف العقوبة التي يستحقها، لمجرد أننا نريد له أن يكون (عبرة لمن لا يعتبر)، أو لمجرد أننا نهوى مشاهدة أفلام الأكشن، فنجمع على ترشيحه لتجسيد دور البطل الذي ترك حياته الأولية المعدمة القائمة على الهمجية واللا مبالاة ليستحيل شخصا مناضلا ومكافحا يمتطي جواده ويشق الصفوف ويتحمل الطعون من أجل الحرية والعدالة!؟ أو لمجرد أن لدينا وقت فراغ كبيرا لا نعرف كيف نستغله حتى بات شعارنا (الفاضي يعمل قاضي)!!
هناك في المجتمع من يطالب منذ اللحظات الأولى بسجن المتهم سنين طويلة، مع جلده ثلاثمائة سوط وما فوق على دفعات متفرقة، وأن يتم ذلك بالمكان الذي وقعت فيه الحادثة وأماكن أخرى عامة، إضافة إلى التشهير به أمام الملأ، وليت الأمر يتوقف عند ذلك، بل لا بد من فرض تعويض مالي في الحق الخاص، يا الله ما كل هذه الأحكام، وأين نحن من مبدأ (لا يعاقب على الفعل الواحد بأكثر من عقوبة)، وأين نحن من قاعدة (لا عقوبة بدون نص)، ولماذا يحاول المجتمع أن يشفي غليله وأن يحمل ذلك الشخص كافة أسباب مشاكله وهمومه؟!
حتى وإن افترضنا أن هناك عقوبات أصلية وتبعية وتكميلية، حتى وإن افترضنا بأن العقوبة بطبيعتها تكون مؤلمة لتحقق غرضها في الإصلاح والتأهيل، حتى وإن افترضنا بأن العقوبة تتجه إلى توقي خطورة المجرم وضمان عدم ارتكابه جرائم تهدد المجتمع والأفراد في المستقبل، فإن هذا كله لا يمنحنا الحق لقاء فعل واحد المطالبة بإيقاع عقوبتين أصليتين معا مثل السجن والجلد، خصوصا أن الأنظمة تحدد العقوبة من حيث الكيف والكم، وهي لا تنص أبدا على الجلد؛ لأنه إيذاء جسدي يتنافى مع المواثيق الدولية، ويفترض أنه ليس أمام المحكمة سوى النطق بهذه العقوبات كما وردت، وليس لها أن توقع على المتهم عقوبات الدنيا كلها فقط (ليكون عبرة لمن لا يعتبر)!؟.

نقلا عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.