.
.
.
.

المد الفلسفي الداعشي: نحو اختراق السعودية والإمارات

د.منصور الشمري

نشر في: آخر تحديث:

النشيري الذي خطط لاستهداف اقتصاد الإمارات عبر تفجير منشآت اقتصادية عام 2002، ربما كان هذا العمل بمثابة رسالة بأن الخليج العربي مقصداً للجماعات المتطرفة دون استثناء لخلق الفوضى فيه، ومن ثم العمل على تأسيس قاعدة إسلامية تسعى لخلق الدولة الإسلامية.

ففي عام 2012 تعلن الإمارات العربية المتحدة عن تفكيك شبكة إرهابية تستهدف أمن السعودية والإمارات، كما أنه في العام الذي يليه 2013 تعلن الإمارات عن القبض على خلية إرهابية تتكون من عدة عناصر عربية، وكانت الخلية تمد تنظيم القاعدة بالأموال وتقدم لهذا التنظيم الدعم اللوجستي وتسعى لمد نشاطها إلى بعض الدول المجاورة، فمنذ عام 2002 حتى 2013 بلغت قضايا الإرهاب بالإمارات 10 حالات، منها ما تم تكذيبه من خلال السلطات الإماراتية.

أما ما يتعلق بالمملكة العربية السعودية، فالعمليات الإرهابية التي كانت تستهدفها فكثيرة، إلا أن الحرب على الإرهاب الذي تعمل عليه السعودية جعلت التنظيمات تعمل مضطرة خارج الحدود، ففي اليمن والعراق وسوريا تنظم الجماعات المتطرفة أوراقها للعمل مجددا من الداخل الخليجي، فكانت السعودية هي الهدف الرئيس بسبب كونها المؤثر الحقيقي والمدخل الوحيد على بقية دول الخليج والذي يمكّن من السيطرة، وكذلك استهداف الإمارات العربية المتحدة والتي تعد حاليا مصدراً للظهور الاقتصادي كما أنها تتمتع بموقع إستراتيجي خاصةً بما يتعلق بالموانئ البحرية والتي تعتبر مدخلاً سهلاً على بقية دول المنطقة، وعلاوة على ذلك فإن اقتصاد الإمارات يحتل المرتبة الثانية والعشرين على مستوى العالم في أسعار الصرف في السوق، كما أنها ثاني أكبر دولة في القوة الشرائية للفرد الواحد، حسب ما أوردته جامعة الإمارات.

الجماعات الإسلامية القتالية لم تكن على وفاق كبير، فهناك يأتي الخلاف العقدي والذي كان منطلقاً رئيساً لأن تقوم كل جماعة بتكفير الجماعة الأخرى المخالفة لها، ويأتي الخلاف حول الأولويات والمنطلقات والأهداف بالمرتبة الثانية ليخلق ذلك صراعاً مسموعاً بين الجماعات القتالية.
كان دخول فصل الثورات والذي يسمى بالربيع العربي مدخلاً كبيراً للجماعات المتطرفة، ليس من أجل أثبات الوجود فحسب، بل لعملية أكبر من ذلك

وهي محاولة الخروج من حماية بعض الدول المستفيدة كإيران وإعادة ترتيب أوراقها من جديد بطريقة قد تُوجد على الأقل مستفيداً آخر يعطي مساحة من الحرية لهذه الجماعات خاصة مع نشوء خلاف بين إيران والقاعدة يكمن في عمليات الاختراق وفرض الإقامة الجبرية على بعض عناصر التنظيم، لذلك قامت بالعمل على تقليد فلسفة متطورة تعمل عليها جماعة الإخوان المسلمين الحركية وهي تعتمد على توسعة المد الفلسفي للجماعة دون تصعيد للخلاف المصيري ما كان ذلك خادماً للهدف، مع الأخذ بالاعتبار بأن تداخل المدارس المذهبية والفكرية جائز الوقوع سلفاً وخلفاً.

والذي يهمنا هو أن الجماعات الإسلامية القتالية استطاعت أن ترتب أوراقها من خلال استغلال الربيع العربي لتتفق على تحقيق الهدف دون النظر في الخلاف العقدي، لهذا السبب نجد توافق بين قيادي تنظيم القاعدة الذين يحسبون على العقيدة السنية والحكومة الإيرانية والتي تحسب على العقيدة الشيعية.

قامت القاعدة وهي تمثل المظلة الكبرى لبقية الجماعات القتالية الأخرى، بأسلوب يعتبر الأخطر حتى على مستوى الجماعات الإسلامية القتالية، فالقاعدة تملك فن الإدارة والخبرة الطويلة وتهتم كثيراً بصناعة الأجنحة والخلايا السرية، أيضاً فهي تجيد العمل الإعلامي المتواصل بإتقان شديد، كما أنها لها القدرة على اختراق الجماعات الإسلامية ولربما قامت بتصفية بعض رموز القيادات المخالفة لها خاصة مع تولي أيمن الظواهري زعامة التنظيم، وأكاد أجزم بأن القاعدة هي الأقوى حتى ولو ظهر منافس إعلامي لها كداعش - الدولة الإسلامية في العراق والشام - وأعتقد أنه من الجيد معرفة أن ما يحدث من صراع هو صراع بين أجنحة القاعدة وليس صراعاً مع التنظيم الرسمي، كما تدرك القاعدة ضرورة تصفية أجنحتها من عمليات الاختراق التي دفعتها مؤخراً للخلاف مع طهران في ظل وجود خلافات متراكمة سابقة، لهذا فهي تعمل بهدوء كعادتها حتى حين تتضح الرؤية لها.

إن التنظيم الإرهابي الذي كان قد اتخذ له ( أميراً ) بالسعودية مؤخراً والذي تم القبض عليه من الداخلية السعودية، قد تبنى هذا التنظيم أمراً مقلقاً وهو العمل على اغتيال الشخصيات الرسمية وشخصيات أخرى تعمل في مجال الدعوة، كما يقوم هذا التنظيم على العمل الجاد على تهريب وخطف النساء إلى اليمن، وهذا يرجع بنا إلى محاولة الخطف التي تعرض لها القائم بأعمال السفير الإماراتي في صنعاء والتي تؤكد أن محاولات إحداث الفوضى مازالت قائمة.

الجماعات الإسلامية المسلحة تدرك أن الربيع العربي هو الفرصة التي قد تكون الأخيرة لها لتحقيق الكثير من قضاياها، كما أنها تدرك أن نهاية أي ثورة هو مؤشر واضح للقضاء عليها بأسرع وقت ممكن، فقامت داعش بالتوسع بالعراق وسوريا ومحاولات لاختراق الأردن، وأيضا تأمين حدودها مع العراق وتركيا، كما أن داعش تعمل بشكل مستمر على التحريض بالدول العربية والغربية، فأوروبا التي تعمل جاهدة لحماية مواطنيها هي اليوم تبحث عن أي تعاون مع دول عربية لمنع مواطنيها من دخول سوريا، فلقد بلغ عدد المقاتلين الأوروبيين أكثر من 2000 مقاتل بسوريا، جزء كبير منه قد التحق بداعش، كما تحتل بلجيكا المرتبة الأولى بعدد المقاتلين الذين ذهبوا لسوريا كنسبة وتناسب مع عدد السكان، وفرنسا تجد أنها في مأزق كبير لتهدد بسحب الجنسية الفرنسية لمن يتورط بالذهاب إلى سوريا، فالذين التحقوا بداعش وجهة النصرة بسوريا من الفرنسيين وصل عددهم نحو 412 مقاتل.

داعش تمثل العنصر التطهيري السريع بالقتل وقطع الرؤوس واتخاذ القرارات والتي قد لا ترحم حتى أتباعها، فالدولة الإسلامية بالعراق والشام قامت بإعدام عدد من قياداتها، كما أن داعش تعمل على مد فلسفي لاستقطاب المناصرين والأتباع تحت مفهوم ( الدولة الإسلامية ) والذي يستهدف السعودية والإمارات عبر التركيز على استغلال وسائل التواصل الاجتماعي ومحاولة لاختراق المجتمع بتمرير القضايا التي تكسبهم التعاطف، وأستطيع أن أقول بأن وسائل التواصل الاجتماعي قدمت الكثير من الخدمات لهذه الجماعات المتطرفة وليس هناك مجتمع بمنأى عن محاولات الاختراق، لذلك يجب أن تعمل دول الخليج عملاً موحداً وجاداً لمحاربة الإرهاب ابتداءً باليمن الذي أصبح محضناً لهذه الجماعات المتطرفة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.