.
.
.
.

(وليمة) على خمس دجاجات

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

هناك رجلان سوف ارمز للأول بحرف (ع)، والثاني بحرف (س).
الأول رجل ثري وبخيل ومحافظ ووصولي إلى أبعد الحدود، والثاني مستور الحال وبساطه أحمدي وصاحب مقالب، وفي كل ليلة يأتي للثاني رهط من أصحابه للعب (البلوت) وتعاطي (الشيشة) وما نحو ذلك.
هذا قبل أكثر من أربعة عقود عندما كانت تصل أقصى حدود الرياض شمالا إلى حي (السليمانية)، وكان الاثنان يسكنان في حي (الملز)، وفي ذلك الحي كان هناك طباخ وحيد وشهير.
وحصل ان أتى (ع) إلى مجلس (س)، وذكر للجميع مفتخرا أنه يوم غد قد عزم (فلان الفلاني) على الغداء ــ ومعروف أن ذلك (الفلان) مسؤول كبير ونافذ وتشد إليه الرحال.
وما إن خرج (ع) من المجلس، حتى قال (س) للحاضرين: يا جماعة الله يحييكم عندي غداً على الغداء، وهداه حدسه إلى أن (ع) قد رتب الوليمة حتما عند مطعم الطباخ الشهيرــ، وفي تمام الساعة الثانية ظهرا بعث سائقه (بالونيت) للمطعم قائلا لهم: إنني مرسول من عمي (ع) لنقل الطعام، وفعلا حملوا معه ثلاث ذبائح مع لوازمها، وما إن وصل المسؤول الكبير إلى منزل (ع) في الساعة الثالثة تتبعه أربع سيارات تحمل مرافقيه، حتى سارع (ع) لبعث مندوبه لإحضار الطعام، وفوجئ أن هناك من أتى قبله واخذه، وعندما رجع إلى عمه يخبره بالكارثة، حتى صعق (ع)، وانطلق بنفسه إلى المطعم وحاول بشتى الوسائل أن يظفر بذبائح بديلة دون جدوى، وقال له الطباخ: إننا على وشك الإقفال الآن، ولا توجد لدي في قدور المطبخ غير خمس دجاجات ناضجات، إن أردت ان تأخذها فهي أمامك الآن، ولا شيء عندي غيرها، وانا اعتقدت أن المرسول الأول هو مرسولك.
وكانت فشيلة او فضيحة (بجلاجل) أمام المسؤول الكبير ومرافقيه، حيث استنكف المسؤول عن الأكل واعتبر تقديم الدجاجات اهانة له، وخرج مستاء دون أن يأكل.
وأول ما خطر على بال (ع) هو (س)، فركب سيارته وانطلق بها مسرعا إلى منزله ومن شدة غضبه كاد أن يصدم بالطريق، وعندما وصل وجد الجميع يغسلون أياديهم بعد اكلهم للذبائح الثلاث.
وقال لي من روى لي هذه الحادثة وكان من ضمن الحضور: أن (ع) كاد أن يقتل (س) لولا أن الجميع قد أمسكوا به،وخرج وهو يكاد أن يبكي من شدة القهر، وقاطعه بعدها نهائيا.
غير ان المسؤول الكبير عرف فيما بعد ملابسات ما حصل وضحك كثيرا، واستدعى الاثنين في قصره على وليمة اقامها لهما، وارغمهما على التصالح، وهذا ما حصل.
الآن انتقل الاثنان إلى الرفيق الأعلى، وأتمنى لهما أكل المزيد من الخراف والدجاجات في جنة الله الواسعة، متكئين فيها على الأرائك أمام الأنهار الثلاثة، تحف بهما الحور العين إن شاء الله.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.