الاحتجاج للعادة!

سامي الماجد
سامي الماجد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

من المتقرر أن الشريعة راعتْ العرف في بعض أحكامها، فأقرتْ بعض الأعراف، وأضفتْ عليه الشرعية: إما بتقريره أو السكوت عنه، وإما بالإحالة عليه في بعض الأحكام والأقضية؛ كتقدير النفقة الواجبة للزوجة والولد، وأُجرة العمل، ومقادير الكفارات.

وثمة أعراف وعادات لا أثر لها في التشريع؛ ولكنها أُلبستْ لَبوس الشرع، فأُضفيت عليها القداسةُ والشرع منها براء، منها عادات تنزِع إلى التشديد والتضييق، يجعلها بعضهم ديناً يُلزم به الناس، وفي مقابلها عاداتٌ متوجهة وجهة التساهل والتحرر يحاول آخرون تسويغها واستحلالها وإضفاء الشرعية عليها استناداً إلى ما جرت عليه عادةُ إقليم أو قبيلة.

ومن التناقض العجيب أن ينكر هؤلاء العادات المتشددة التي أُلبست لبوس الشرع زوراً وجهلاً، ثم هم أنفسهم في عاداتٍ أخرى يحاولون إثبات شرعيتها بحجة أن عادة الناس قد جرت عليها، فهي إذن عنده دِينٌ يُحتجّ به على المخالف!

فمثلاً: في جانب التشديد والتضييق تتابعت أعراف بعض الناس على استعابة أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة. وفي جانب التساهل والتحرر تتابعت بعض الأعراف والتقاليد على أن المرأة لا تحتجب من ابن عمها وابن خالها استناداً إلى عاداتٍ ورثوها عن آبائهم، أصبحت كالمقرَّر شرعاً، وإنما هي كحال: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون).

ومن هنا تأتي ضرورة التمييز بين ما هو شرعيٌ فعلاً وبين ما هو ضربٌ من العادات والتقاليد.

وإذن فلا يسع الدعاة وطلبة العلم، أن يسكتوا عن الانكار على من يحرِّمون على أنفسهم بعض المباحات، إما جهلاً، وإما لسوء فهم للنصوص، بحجة أن هذا الحِفاظ والتوقي إن لم ينفعهم فهو لا يضرهم، ومن ثَم فلا ضير ـ في نظرهم ـ أن يتركوها بلا تصحيح، وربما قالوا: وما على الناس من ضير حين حرموا أنفسهم من بعض السعة التي تفضل بها عليهم الشرع!!

وهذا بلا شك خلل في التفكير، ودَخَل في المنهج، فينبغي أن نُري الناس أن في الإسلام سعةً، وأن دائرة المباح هي أوسعُ دوائر الأحكام، وأن يشعروا أن في هذا الحلال الذي اتسعت دائرته هذا الاتساع غُنيةً عن تقحّم الحرام.

يجب أن نقرر حقيقةً لا يعبأ بها كثيرون، وهي أن شرع الإسلام الذي نسعى لتطبيقه ليس مقتصراً على المحرم والواجب، بل هو ـ إضافة إلى ذلك ـ التوسعةُ على الناس بإباحة ما أباحه الشرع، فإذا توقى الناس فعل شيء يظنونه حراماً فلنحرص على أن نبين لهم إباحته حرصَنا على تبيين الحرام لهم وتحذيرهم منه.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.