تحديات المستقبل.. كيف نقوّمها.. ونراها؟!
يثار موضوع مستقبلنا من خلال انطباعاتٍ وآراء يتداولها المواطنون في مجالسهم ولقاءاتهم، البعض خائف ويرى الأمور بعكس اتجاهها ويبني آراءه على حالة البطالة وأزمة السكن واتساع البطالة وتطوير التعليم والتدريب، وآخرون يدخلون في أبعاد أكبر لما بعد نضوب النفط والمياه وزيادة السكان، وعدم وجود خطط واضحة تديرها عقول لا ترجح الاحتمالات على الوقائع، وهؤلاء يقوّمون رؤيتهم على أرقام الاستهلاك الفلكية مقابل الأداء العملي والإنتاج وبناء تقاليد جديدة رافقت الوفرة المادية التي لم يحسن توجيهها أسرياً أو المخطط والمنفذ..
صناعة المستقبل جدلية هائلة لأصحاب النبوءات من علماء لكلّ الاتجاهات وتوقعاتهم، بعضهم يبنيها على احتمالات وآخرون على استنتاجات، وبعيداً عن تلك المدارس فنحن نركز على حالنا، أمام زحف الأجيال وتعاملهم مع تقنيات العصر وآفاق الحياة اليومية والمستقبل البعيد لتحقيق نتائج تؤسس لحياة دائمة التطور..
فالضرورات تحتم مشاركة الشباب من الجنسين ومساهمتهم في العمليات الانتقالية بإحلالهم في مراكز العمل وفقاً لكفاءة الشخص لا لاعتبارات أخرى بمعنى أن تطوير ثقافة العصر وتعميمها يعتبر أهمية استراتيجية تشارك فيها مختلف دوائر التخطيط مع مراعاة التأثر والتأثير في المحيط القريب والمجاور على أمننا وتعايشنا وتعاوننا والآخر الخارجي الذي يدير سياسة المصالح على حساب المثل العليا، ولعل مراجعة كل شأن وفق سياسة موضوعة قد تضعنا على الطريق الصحيح، بشرط أن تكون هناك مراجعة دائمة لظواهر المجتمع من خلال تطوره ونماذج سلوكه السلبي والإيجابي وتحليل الظروف المحيطة بالفرد والأسرة ثم المجتمع، وكيفية قياس مستوى الوعي وطاقات الإنتاج والاستهلاك ومعادلتهما بالاقتصاد الوطني كله..
وكما أن القيم غير ثابتة، وكذلك التحولات الاجتماعية، والفجوة الحضارية التي تباعدت في عصر المعلومات فإننا نجد أن التنمية البشرية أصبحت التحدي الأكبر عند جميع الشعوب، لأن من يملك المعرفة يحتل السيادة ولذلك من الصعب تجنب ظروف الخلافات الاجتماعية مناطقية أو قبلية ودينية، ولا يمكن إدارة الشعوب وترسيخ ثقافاتها على مبدأ التلقين وفق ما نراه في واقع تعليمنا الذي لم يتعد تقاليد السبورة والدفتر والمعلم التقليدي أمام ثورة التكنولوجيا المعاصرة وضرورة ترسيخها في بيئتنا العامة، ولا يمكن صياغة وحدة وطنية بدون عدالة اجتماعية، وهي من المسلّمات التي تعرفها وتدركها قوانين الدول المتقدمة والمتخلفة، ويستحيل أن تبني اقتصاداً وتنمية مستدامة في ظل فساد مالي وإداري تنعدم فيهما قيم المواطنة..
هذه التصورات التي تدور في رؤى اجتماعية عامة لا تنحصر في المثقفين وصناع الرأي فحسب، وإنما داخل المجتمع بفئاته المختلفة ما يطرح علينا تحديات المستقبل وهل يمكن تجاوز موروثنا من تقاليد، وعادات إلى بناء مجتمع جديد يزاوج بين مثله ودورة حياته؟ وهل ندرك أن الوفرة المادية اليوم هي طيف عابر ما لم تلتق الإرادات على صناعة منظومة قوانين وأهداف توظف هذه المداخيل باتجاه منجز شامل؟
الموضوع شائك، وتحدياته كبيرة ما يفرض أن تنصب عليه خططنا كلها في قراءة أخرى دقيقة لحاضرنا لنبني مستقبلاً أكثر ثباتاً وديمومة.
نقلا عن صحيفة "الرياض"