.
.
.
.

قلمي المغتـصَب

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

الحقيقة أن بعض الناس ليس لديهم ذرة واحدة من (الذوق)، مثل تلك المرأة التي قابلتها أمام (الكاونتر) في عيادة أحد الأطباء، ولا حظت أنها فتحت حقيبتها وأخذت تفتش في أعماقها باضطراب، وظننت أنها تبحث عن قلم لتكتب به شيك الحساب.
وبنيتي الطيبة وشهامتي المعتادة سألتها: هل تريدين قلما؟!، وناولتها قلمي، فأجابتني سريعا وهي تخطفه: نعم شكرا، ثم وضعت القلم في حقيبتها، ودفعت للموظفة حسابها (كاش)، واستدارت ذاهبة وهي تعطيني قفاها.
ووقفت مذهولا لمدة دقيقة أو أكثر أفكر بشهامتي الغبية، وبعدها انتبهت على حالي فانطلقت بأثرها لاسترداد قلمي، وقبل أن أصل إليها كانت قد دخلت (الأسانسير) وانغلق الباب بوجهي، واختصارا للوقت قررت أن أنزل الأدوار الستة قفزا على الدرج، ومن عجلتي الزائدة تعثرت رجلي وكدت أقع لولا أن تداركني الله برحمته، وما أن وصلت للدور الأرضي وخرجت من باب العمارة للشارع حتى رأيتها قد ركبت السيارة في المرتبة الخلفية، وأغلقت الباب، فلحقت بالسيارة الفارهة (لكزس) موديل ٢٠١٤ قبل أن تتحرك وأنا أصيح بالسائق أن يتوقف.
المشكلة أن السائق الطويل العريض اعتقد أنني أعاكس سيدته وأريد أن (أرقمها)، فما كان منه إلا أن ينزل لي من السيارة فاردا عضلاته، وقبل أن أقول له: إنني أريد قلمي، سمعتها وهي تناديه قائلة: (يا فلان) تعال أركب واخسرك من هذا التافه.
وفعلا ركب وانطلق بعد أن وجه لي عدة كلمات من العيار الثقيل أقلها وألطفها: يا قليل الأدب.
ووقفت متبلما وأنا أشعر بالخذلان والإهانة والغبن من هذه اللصة المغتصِبة، وإنني لا أقول هذه الكلمة جزافا، فكل شروط الاغتصاب لقلمي مثبتة، وحصل ذلك أمام الشهود وفي رابعة النهار.
ومما زاد في حسرتي أن قلمي ذاك كان هدية من إنسان عزيز علي، صحيح إنني لا أكتب به، لأن كل كتاباتي (بالمرسمة)، ولكنني أضعه بجيب ثوبي الملاصق دائما لقلبي العليل، وذلك من أجل اكتمال الشياكة والمباهاة فقط لا غير.
ولو أن تلك المرأة المغتصِبة طلبته مني بكل أدب كهدية فحتما إنني لن أعطيها إياه، ولكن من الممكن أن أشتري لها قلما يماثله، فالرسول صلى الله عليه وسلم قبل الهدية، وجاء في الحديث الشريف: (تهادوا تحابوا)، ولكنها فوتت الفرصة عليها، وباءت بذنب كبير..
وإنني من منبري هذا أدعو عليها وعلى سائقها بعدم التوفيق، وأن يجعل نومها كله ممتلئا بالكوابيس المفجعة، وأن لا تدخل حماما وهي محصورة إلا وتجد أمامها حية رقطاء تسعى.
وقررت من اليوم فصاعدا، أن لا أقدم أي معروف لأي إنسان.

نقلا عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20140527/Con20140527702093.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.