أعداء بالفطرة
قد تظهر البحوث والدراسات صوراً تاريخية ذات طابع معقد، في مجملها مضادة للحاضر ومحكومة بقانون غير متغير، فنزعة الهندسة الاجتماعية عند أفلاطون تدل على اعتقاده بأن الإنسان سيد مصيره الخاص وأنه وفقاً لأهدافنا ويمكننا أن نؤثر عليه، أو أن نغير تاريخه كما سبق وأن غيرنا وجه الأرض، ولكن «كارل بوبر» تبنى المقابلة بين التاريخ والهندسة الاجتماعية، منحازاً إلى النظر للمؤسسات بشكل رئيس من منظور تاريخها على عكس أفلاطون.
بينما ابتكر هذا العصر تقنية طوعت المجتمعات، وهذا الاعتبار وضعنا على عتبة إرادة التطويع التي تحقق التسليم بالواقع، وتشجع على كشف الأخطاء مبكراً، وتوجد أرضية مشتركة، تجبر على الاعتراف بالآخر وأهميته وفق الضوابط الطبيعية والقانونية، رغم التوترات المنبثقة من التقليد التاريخي، والتقليص من ممارسات الإقصاء.
فأما ما نريد قوله هنا بعد الاقتران بين المشاهدات والدوافع وأنماطهما المختلفة، صعوبة التقارب بينهما وخاصة في المجتمع العربي، وكل يعمل من أجل إثبات الآخر حسب قانون هذا العصر، لينجو من الاختلاف، والمقامات الجوهرية المنبوذة، ويقف بين طرفين متشددين، ليطابق بينهما، ويمارس دوراً بعيداً سرعان ما ينطلق إلى وجهة أخرى، تساهم في جانب غير منطقي، ويعود لذات المشاكل القديمة التي تعد أقل كلفة من سواها.
والناس غالباً ما تكون رهن التأثير، فقد تحدث معظمهم بإسهاب، وعمق، عن أشخاص ظهروا على مشارف الساحة الاجتماعية، بدعوى وفحوى، يحبذها العامة، وتثق بها الأغلبية لإثبات فصل من فصول الحياة، حسب تفسيرهم الخاص، والمتأمل بأهدافهم المستقاة من منهجية تاريخية قديمة لم يكشفها، إلا الأحداث السياسية المعاصرة، على اعتبار أن المقاصد تسير بمعية ساعي بريد يسابق الزمن لإيصال رسائله المتأخرة، ولديه مبادئ سلطوية تستعبد أعداداً كبيرة تقف في انتظاره، ليسلم غاياته في تلك الرسائل، التي تعتبر وليدة فكر مشوش، شوهت كثيراً من المفاهيم.
ومن هنا نفصل بين عقل التاريخ وروح الحاضر، فالقياس بأنواعه غير متكافئ، وغير متلازم إن صح القول، فالإنسان عدو ما يجهل، لذلك يترتب عليه إجراء متتال يجدد معلوماته القديمة كلما تسنى له ذلك، فمهما بلغت أهمية العصور القديمة وحضارتها، وشعبيتها إلا أن الحاضر في تقديرنا طموح مستساغ.
ولعل الاعتقاد السائد في هذا الحاضر عند النفوس المهزوزة، هو ازدراء آثار التقنية وارتباطها المباشر بالعلم والمعرفة عند الملتقيات اللانهائية، مما أدى إلى الهجوم المتكرر على الحداثة والعصرنة والديمقراطية، والعولمة وتأثيرها المباشر على المتغيرات.
وفي المجتمعات المختلفة من العالم، يوجد بها البسيط والمعقد، الصالح والفاسد، المتسامح والحاقد، العاقل والمختل عقلياً، وهكذا يتجلى الاختلاف أمام التجانس، فينتج أوضاعاً مختلفة ومتقلبة بين الناس،
فكيف تأسس هذا التقنين؟ هذا سؤال من عدة أسئلة نطرحه، من أجل أولئك الذين قاموا ببناء سدود عظيمة داخل النفوس تحجز الأنا ضمن التاريخ القديم، وتظهر الاستناد إلى محاولة الانخراط في حاضر المجتمعات، وفي الحقيقة هو سقف عال من عدم التجانس، ينتظر فرصة لكي يمارس أعماله، وبالمقابل نلحظ نزعة عداء مستشرٍ بين أنماط مختلفة من الناس دون سبب.
وإنه من اللافت للنظر ما تشكله التحولات على حياة الناس، ومدى ارتباط الوعي بها، وقبول الاختلاف وتطبيق منهجه الخاص، وقيمته الجوهرية، لكي يكون مصدر تنوع وليس مصدر عداء، فالتاريخ لا يُدرس لذاته، وإنما لخدمة نهج العلوم الاجتماعية، وهذه وفق نظرية أفلاطون عن الطبيعة البشرية ومنهجيتها التاريخية.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"