غموض السحر
في فترة الثمانينات في الدار البيضاء في المغرب. وجدت في مكتبة تراثية عدداً من الكتب القديمة ذات الطابع الغرائبي والسحري. من بينها كتاب شمس المعارف أو شبيه به، وكتاب آخر نسيت اسمه في ظروف غامضة. من نفس نوع شمس المعارف ولكنه أقل شهرة. سألت البائع بعض المعلومات عنه. كان البائع خزعبلاوي أو أنه يريد تصريف الكتاب. قال: يدلك هذا الكتاب على أفضل الطرق لسحر من تشاء من البشر. ولأني كنت في شبابي ركز صاحب المكتبة على الإيقاع بالنساء. ابتداء ببنت الجيران وانتهاء بممثلات السينما الأمريكية. ميزة الكتاب على حد قوله ان الأعمال السحرية فيه لا تتطلب أدوات أو عبادات أو اجتراح معجزات. اشتريت الكتاب من باب التسلية أو هكذا ظننت. أخذته معي إلى الرياض. خبأته كما خبأت الكتب الأخرى في طيات الملابس في محاولة لتضليل موظف الجمارك. في ذلك الحين كان دخول الكتاب للمملكة مثل دخول المخدرات. استطاع الموظف أن يكتشف كل الكتب ماعدا هذا الكتاب. ضحكت عندما طرأ على بالي أن الجن أعموا عيون الرجل عن رؤية كتابهم. ولأنه الكتاب الوحيد الذي نفذ من قبضة الجمارك أخذته بحنية إلى غرفة النوم ووضعته مع مجموعة كتب أحتفظ بها تحت وحول السرير.
لا أعرف ما الذي صدني عنه. مضت أكثر من ثلاث سنوات لم أقرؤه. نسيته إلى أن جاء ذلك اليوم الذي كنت أبحث فيه عن كتاب أو شراب أو طاقية تحت السرير فشاهدته يتربص بي. سحبته من تحت السرير وقطعت وعداً على نفسي أن أعود إليه الليلة وأقرؤه. بعد ثلاث سنوات أخرى أو أربع أثناء تجميع أشيائي الشخصية بما فيها الكتب ورصها في كراتين استعداداً للرحيل من البيت شاهدته تحت السرير بنفس حالة التربص التي كان عليها في المرة السابقة. طافت بي الأسئلة الغيبية. القضية ليست إهمال أو نسيان لابد أن هناك عوامل خارقة تقف خلف صدودي عنه. هل اشتغل الجن ضدي أم معي: هل حرموني من اصطياد ممثلات السينما الأمريكية أم أنهم أنقذوني من عته محقق.
لم أترك للهواجس الهدامة أن تثنيني عن قراءته. قررت أن يكون أول كتاب افتحه في بيتنا الجديد. استمر النقل عدة أيام ولكني هذه المرة لم أنسه. بعد أن استقر الأمر فتحت الكراتين واحدا تلو الآخر أبحث عنه فلم أجده. مازلت أتذكر في أي الكراتين وضعته. لا يمكن أن يكون في الأمر خطأ. بدأت المخاوف والظنون تساورني ولكني لم أتركها تطيح بي. قررت أن أتماسك وأنسى الموضوع. مضت سنوات أخرى. في إحدى الليالي قررت أن أبدل وضع السرير لتستوعب الغرفة دولاباً إضافياً فإذا بعيني تقع عليه. أخذته وبدأت أتأمل فيه. ما الذي ينتظرني بين طياته. جن عفاريت ممثلات أمريكانيات. لم أتركه هذه المرة ولم أسلمه للوعود. تركت كل شغلي وجلست أقرؤه. (يا أنا يا الجن.) قرأت عدداً من الصفحات. المقدمة وبعضاً من متنه. وضع أمامي مجموعة كبيرة من التحذيرات والنصائح. أهمها أن أرفق بالبنات اللاتي سيقعنَ في حبي وأن ألا أكون مسرفا في العدد. في تلك الأيام مازالت جودي فوستر سيدة الشاشة الأمريكية فوعدت نفسي أن اقتصر عليها درءاً للطمع وعاهدت نفسي أن أعاملها بالحسنى بإذن الله. دخلت في صميم المطالب. كل مطالبه لتحضيرها كانت متوفرة في الرياض عدا قطعة من ملابسها أو لفة من شعرها. لم أتشجع للانتقال للفصل التالي الذي سيشرح فيه تركيب الخلطة السحرية والأدعية التي يجب أن تقال وأين علي أن أدس الصرار. هل أدسه في حوش بيتنا في الرياض أم في حديقة بيت آل فوستر في أمريكا. فكرت في امرأة أخرى تكون قريبة وممكن الحصول على بعض أشيائها. لا يوجد في الرياض فنانات أو مشاهير نساء. لم تعد المشكلة كيف أسحر ولكن من أسحر. مضت الأيام. انتقلت إلى كندا. أخذت معي مجموعة من الكتب بينها كتابي هذا.
يقام في تورنتو الكندية مهرجان سينمائي سنوي. في إحدى المرات شاهدت الممثلة الأمريكية درو بريمور. ركضت إلى البيت وإلى الكتاب لكي أقرأ التعليمات وأتأكد من المطالب. فدرو بريمور فريسة لا يمكن التفريط فيها. بحثت عن الكتاب في كل دولاب وكل زاوية وسألت الجميع. لا أحد يعرف عنه شيء. اختفى كما اختفى في المرات السابقة. حتى أني حاولت أن أتذكر عنوانه فلم استطع. ما هو السر؟ الله أعلم.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"