.
.
.
.

بيعة الحلقة !؟

محمد أحمد الحساني

نشر في: آخر تحديث:

حضرت ذات يوم نقاشا لطيفا بين صديقين أحدهما صاحب تجربة زاخرة في الحياة والأحياء، وكان الأقل تجربة يشكو من تصرفات قريب له، وهو في الوقت نفسه صديقه وجليسه فلما أمعن في نقد ذلك القريب الصديق الجليس سأله صاحب الخبرة والحنكة: يا أخي.. هل صاحبك كله مساوئ.. أليس فيه خصلة طيبة؟!، فرد عليه الشاكي المتباكي قائلا: بل إن لديه العديد من الخصال الطيبة.. ولكن.. وقبل أن يكمل حديثه الذي يلي «ولكن» بادره صديقه بقوله : ما يحتاج لكن وأخواتها.. يا أخي خذه مثل بيعة الحلقة.. بلا تفقيط ولا تنقيط فتدخلت وسألته : ماذا تعني ببيعة الحلقة فشرح لي أن المقصود هو أن الإنسان إذا اشترى خضروات أو فواكه من حلقة الخضار فإنه يجد في الكراتين برتقالة معطوبة وبذنجانة «مفقوسة» وخيارة مرة وبطيخة بيضاء سامجة، فإن فقط البضاعة تركها ولم يشتر وإن أخذها باعتبارها «بيعة حلقة» فإنه سيجد أن معظمها جيد وناضج وطازج وحلو المذاق! ولما سمعت منه تلك الحكمة طبقتها على أصدقائي وجيراني وأقاربي فلم أعد أتوقف أمام عيوبهم وإنما أجعلها جزءا من «البيعة» وأركز على الجوانب الإيجابية فأجدها تستحق العناية والاهتمام وبذلك أرحت واسترحت. وجاء في الأثر أن الإنسان إذا كره من زوجه خصلة أو خلقا فلا يتسرع في الحكم عليها بالسوء فقد يجد فيها خصالا وأخلاقا تسره، فهذه تحمل تلك وإلا لم تستمر العلاقة الزوجية ! وقد أدرك الشاعر العباسي بشار بن برد حتمية وجود النقص في الإنسان وسلوكه فقال ناصحا من يعرفهم ومن لا يعرفهم من الذين يرتبطون بعلاقات أخوة أو صداقة:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صن أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه!.
أي أن هذا الشاعر الألمعي الحكيم قد أخذ نظرية «بيعة الحلقة» في التعامل مع الأصدقاء ونصح بها غيره من الناس.. وأرى والرأي الأمثل لسعادتكم أنه لو سادت نظرية بيعة الحلقة في تعامل الأفراد بعضهم مع بعض سواء كانوا زملاء عمل أم أصدقاء «بشكة» أم جيران حي أم أقارب، فإن المودة سوف تسود ويصبح التسامح عنوانا للتعامل، أما إن حاسب كل واحد منا أخاه على «الدقة والدقيقة» فإنه سيفقد حتما صديقه ورفيقه فأختر لنفسك ما تشاء!.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20140609/Con20140609704878.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.