فضحتونا
كانت الطائرة مزدحمة وكاملة العدد والرحلة طويلة من جدة إلى واشنطن، ما يعني أن كل مسافر يبحث عن وقت مستقطع للنوم أو الاسترخاء والهدوء على الأقل. في ثقافة السفر هناك من يدخر كتابا ليقرأه في الطائرة، وهناك من يريد أن يكتب أو يرتب أوراق اجتماع أو يراجع مواضيع مؤتمر سيحضره أو لقاء عمل مهم أو أي شيء آخر، ولكن في سفر ربعنا نادرا ما تتهيأ للإنسان هذه الفرصة، وخصوصا عندما يكون مسافرا على خطوطه الوطنية لأن بعض المسافرين يعتقد أن طائرة الخطوط السعودية هي جزء من بيته أو ملحق به، ليس بمعنى الاعتزاز بها وإنما بمنح نفسه حق ممارسة أي شيء يريده على متنها، والسماح لعائلته الكريمة أن تعتبرها حوش البيت أو سطحه.
بعد ساعات طويلة من الضجيج الذي لم يستطع مضيفو الطائرة السيطرة عليه بكل ما توفر لديهم من تهذيب ورجاءات متكررة، هبطنا حامدين الله وشاكرين فضله من إزعاج عائلة تقترب من قبيلة، كان قائدها يبتسم لكتيبة أطفاله وكأنه يشجعهم ويفخر بهم وهم يتقافزون في كل درجات الطائرة دون أن ينهر أحدا منهم. ولكن في طابور الجوازات بدأت قصة أخرى جعلتني شخصيا أغرق من الخجل عندما سألني الموظف باستياء شديد عن تفسير ما يحدث.
كان الطابور طويلا وكل شخص ملتزم بمكانه، ولكن ما إن انتظمنا في الطابور حتى انطلقت قبيلة صاحبنا من الأطفال تجري وتصرخ وتقفز بين الصفوف وتتدحرج على الأرض وتهجم على أي أحد في طريقها. حسنا، فلنقل أنهم أطفال لا تثريب عليهم، ولكن كان الأب المحترم ينظر إليهم مبتسما وفرحا وربما فخورا، وحين حاول شخص لفت نظره إلى هذا الوضع المزعج أجابه بكل بساطة: عيال، خليهم ينبسطون.
حقيقة، لم أجد جوابا معقولا على سؤال موظف الجوازات عن تلك الفوضى، وعن استفساره عن طريقتنا في تعليم الأطفال النظام والتهذيب والالتزام. أخذت جوازي وشكرته وقلت له: آسف. لا يوجد لدي جواب على سؤالك.
نقلا عن صحيفة "عكاظ"