عصفور الغرام

مشعل السديري
مشعل السديري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

المدن هن كالنساء تماما، فكما أن هناك المدينة المترهلة والبليدة، هناك أيضا الرشيقة (والنغشة)، وهناك المدينة المسترجلة وعكسها المدينة التي تفتح لك ذراعيها وتأخذك بالأحضان.
ومن أثقل المدن دما في نظري هي مدينة (فرانكفورت) الألمانية، ولكنني أتردد عليها أحيانا لظروف معينة، وما أصدق على الله أن ينتهي شغلي حتى أفارقها غير مأسوف عليها.
وقبل ما يقارب اربعة اعوام كنت فيها، وتعرفت هناك على رجل الماني من أصول فلسطينية، واستلطفنا بعضنا بعضا بدون ما اي سبب منطقي، ولاحظ هو من خلقتي أنني متبرم وضائق الصدر، فأراد مشكورا أن يعدل من مزاجي المضطرب فاقترح علي أن أذهب معه إلى سفوح جبال الرون شمال شرق فرانكفورت ليريني شيئا لم يكن يخطر على بالي.
وافقته وركبت معه سيارته وبعد ما يقارب من تسعين كيلو مترا وإذا بنا نتوقف عند منزل ريفي صغير، سلم على صاحبه بحرارة، ولفت نظري كثرة الطيور التي ملأت أرجاء المنزل وكلها من فصيلة واحدة صدورها حمراء وأجسادها زرقاء مائلة للسواد واجنحتها رمادية.
وإذا بالألماني الفلسطيني يقول لصاحب المنزل: أرجو أن تسمعنا النشيد الوطني، وإذا به يصيح على الطيور ويخاطبها كأنه (مرشال) يأمر جنوده، صمتت الطيور عن الزقزقة وهجعت عن الطيران والتقافز، ثم اخذ يصفر لها، فجأة انطلقت جميعها تصدح بلحن مميز استمر أكثر من ثلاث دقائق شدهت لامتثالها له، وبعد ان انتهت طلب رفيقي من صاحب المنزل أن يسمعنا أغنية اسمها: (بينما كنت اغادر الحانه).. فاخذ يصفر للطيور قليلا وما ان سكت حتى صدحت هي جميعا بلحن مختلف فيه شيء من (تعتعة) السكارى.
الواقع ان اساريري انفرجت، وذهبت ضيقة الصدر مني، وسألت عن هذا الإعجاز الذي أراه وأسمعه.
وعرفت أن ذلك الرجل قد أوقف عمره على تعليم الغناء لهذا الصنف من الطيور الذكية، وهو يستيقظ كل يوم من الفجر، ويمسك عصاه القصيرة ويدق بها برشاقة على اقفاص الطيور لإيقاضها، ثم يفتح لها الأبواب ويبدأ بتعليمها الدرس اليومي، وتساعده في تعليف الطيور ومعالجتها زوجته التي عندما شاهدت (شوشتها) قلت لاشعوريا وغصب عني: (أعوذ بالله من غضب الله).. ويتهافت الكثير على شراء تلك الطيور المدربة التي يبلغ سعر الواحد منها ما يقارب الف يورو.
وقد عرفت ان هناك رجل اعمال ارجنتينيا اعزب، قد اشترى منه إلى الآن ما لا يقل عن 24 طائرا يقدمها لصديقاته كهدايا.
وقد اشتريت طائرا واحدا منها، وهو لا زال عندي في البيت، وبدأت بتعليمه (الهجينى والدحية).

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20140617/Con20140617706676.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.