هديّة المريض (كفن)

مشعل السديري
مشعل السديري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

في سنة من السنوات ذهبت إلى منطقة عسير، وعزمني رجل أعرفه لتناول الغداء في منطقتهم خارج مدينة أبها.
وذهبت إلى هناك حسب الموعد المحدد، وانشرح صدري بالهواء العليل والمناظر الجميلة، وزاد سروري بالاستقبال البشوش، والكرم غير المستغرب على أهل تلك المنطقة.
وهناك تعرفت على والد من دعاني، وهو شيخ وقور وفاضل وفكه كذلك، واستفدت من أحاديثه ومعلوماته وذكرياته القديمة.
إلى هنا والجو العام ممتاز للغاية، وعندما هممت بالانصراف وتوديعهم بعد الغداء، وإذا بالشيخ يجرني من كم ثوبي طالبا مني أن أتبعه في فناء المنزل ليريني شيئا سوف يبعث السعادة في نفسي، فاستسلمت وانقدت له ممنيا نفسي بالمزيد من السرور.
وإذا به يقودني إلى غرفة في ركن الفناء، وإذا هي مبلطة وفيها (دكة) طويلة ارتفاعها نصف متر تقريبا، وصنابير مياه موزعة على جانبيها، ولم يكن فيها شيء خلاف ذلك، فلا هي حمام - أعزكم الله - فيه كرسي و(بديه)، ولا هو مروش في سقفه (دش)، وتعجبت من هذا المكان الغريب.
ولاحظ الشيخ تعجبي، فسألني وهو يضحك ألا تعرف لماذا أنا بنيت هذا المكان؟!، فقلت له: والله ما أعرف نورني الله يرضى عليك، فأجابني وهو مازال يضحك قائلا: مثل هذا المكان سوف يدخلونك فيه أنت أن عاجلا أو آجلا، فازداد تعجبي، واعتقدت أن الشيخ مصاب (بالزهايمر)، غير أنه قطع على حبل أفكاري وتوقعاتي عندما صدمني قائلا:
إن هذا المكان استحدثته لغسيلي عندما أموت، ولأبنائي وأحفادي عندما يموتون، وما إن سمعت توضيحه حتى ارتجفت لا شعوريا، وقفزت خطوة للخلف قبل أن أدخله واختل توازني وكدت أن أسقط، وما صدقت على الله أن أودعهم وذهبت إلى الفندق، ولم أنم في تلك الليلة مثلما ينام الخلق المطمئنون من كثرة كوابيس الأحلام، وصورة مغسل الموتى ذاك الذي لم يفارق خيالي.
تذكرت ذلك الموقف العصيب عندما شاهدت مجموعة من الصور والمقاطع، لمجموعة من (المحتسبين) وهم يقتحمون غرف المرضى المنومين بالمستشفيات، ويوزعون عليهم بكل كرم (أكفان الموتى) مع نصائح من الاستغفار وتذكيرهم بعذاب القبور.
تصوروا أن هؤلاء المحتسبين يستنكرون بل إن بعضهم يحرمون الزهور و(الشوكلاتة) لدخول غرف المرضى، ويفضلون عليها (الأكفان) الرائعة الجمال (!!).
حسنا فعلت وزارة الصحة عندما استنكرت تلك الأفعال الخارجة عن أي ذوق وعقل، ولكن الاستنكار وحده لا يكفي، فلا بد من قطع دابر هذا العبث والعابثين.
تصور عزيزي القارئ لو أنك كنت منوما في المستشفى، ويدخل عليك رجل لا تعرفه ويضع على سريرك كفنا مع ابتسامة (ملائكية).
لو أن أحدا فعل معي ذلك فيمينا بالله لكنت قد (طبيت ساكت) مثلما يقول إخواننا أهل السودان.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20140701/Con20140701709582.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.