.
.
.
.

الإرهاب فكر ومناخ: لا تنسوا ما سمي بالصحوة

قينان الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

من أبرز منتجات ما سمي بالصحوة في بلادنا، هذا الجيش العرمرم من الإرهابيين السعوديين المنتشرين في بقاع الأرض، فلا يكاد يوجد بؤرة توتر في أي مكان في العالم إلا وفيها سعوديون، ولا تحدث عملية إرهابية في أي مكان من الأرض إلا ونضع أيدينا على قلوبنا خوفا من أن يكون منفذها، أو أحد منفذيها سعوديا.
منذ أن بدأ أبناؤنا يفجرون ويقتلون في شوارعنا ومبانينا، قبل أكثر من عقد، انتبهنا إلى أن الأزمة ثقافية فكرية، وأن النجاحات الكبرى التي حققها الأمن في مكافحة خلايا الإرهاب الفاعلة والنائمة لا تكفي، إذ لا بد من جهد ثقافي وفكري أكبر يوازي تلك الجهود الأمنية الضخمة، وما زال الجميع يتذكر مقولة الأمير نايف بن عبدالعزيز (رحمه الله) التي كررها مرارا من واقع معرفته وخبرته ومعاناته، وهي أن الفكر لا يحارب إلا بالفكر، وعلى إثر ذلك نشأت فكرة المناصحة، وأنشئ لها مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة، الذي أصبحنا نقرأ، ونسمع عن نجاحاته، وتخريجه لمئات المتعافين بين الحين والآخر ممن وقعوا في قبضة الأمن في فترات سابقة من معتنقي الفكر التكفيري والإرهابي، وإلى جانب هذا الجهد، حرصت الداخلية على منع الشباب من السفر إلى مناطق التوتر، لكن كثيرين تسربوا بطريقة أو بأخرى، وهذا يعني أن الشباب الذين وقعوا في قبضة الأمن خلال السنين الماضية ليسوا سوى رأس جبل جليد التطرف والتشدد الذي يفضي إلى التكفير والإرهاب، وأن جهود المناصحة التي بذلت داخل أروقة السجون، كانت بحاجة لجهود فكرية وثقافية ونظامية أكبر، يشعر بها المجتمع، ويعيشها في فضاء الوطن كله، وهي جهود كان المفترض أن تتبع خطوات وأفكار التشدد التي بدأت بها ما سمي بالصحوة وتنقضها، واحدا واحدا، وتلح في هذا النقض بدرجة توازي أضعاف ذلك الإلحاح الذي انتهجته الصحوة وفرضته على الناس واستنبتت له الدعم المادي والمعنوي، وأقامت له الفعاليات والمخيمات والرموز، ووسائل النشر شريطا وكتابا ومنبرا ومنشورا، حتى تغلغل الفكر في المدارس والجامعات والمجمعات، لقد أخذت ما سمي بالصحوة مداها الزمني والمكاني، وبدعم مشهود ومعروف، حتى نجحت نجاحا هائلا في إرهاب الناس وهي تتبنى تكريس أكثر الآراء الفقهية تشددا وتطرفا في حياة الناس، حتى شعر كثيرون وكأنما كانوا كفارا أو مشركين، أو على الأقل ضالين قبل أن تقتحمهم هذه الآراء المتطرفة، التي جعلتهم يقبلون، ويقبلون -بضم الياء- على كل ما يطلق عليه رموز تلك الحقبة أنه (إسلامي)، وإذا كانت ما سمي بالصحوة نجحت في استغلال الصغار سنا وعقلا، وتجنيدهم باسم الدين للإرهاب، فإنها نجحت قبل ذلك في تهيئة المناخ الاجتماعي العام الذي هيأ لها اقتناص فرص التجنيد.
إن هذا المناخ الاجتماعي الذي ما زال بين مد الصحوة الحذر وجزر التصحيح التلقائي، واستمرار صور من التطرف والتشدد، هي التي ما زالت تهيئ الفرصة تلو الأخرى لتجهيز وتقديم وجوه جديدة من شبابنا والزج بهم في بؤر التوتر والإرهاب، ولهذا فما لم تقم جهود كبيرة، وحملات ضخمة لاجتثاث ما كرسته ما سمي بالصحوة على مدار أكثر من ثلاثين عاما، فإن بلادنا ستظل تدور داخل الدائرة التي لن تلبث أن تفرخ بين الحين والآخر شبابا إرهابيين، يتسللون إلى مواقع جحيم الإرهاب في كل مكان.
لقد عانت بلادنا من العائدين من أفغانستان أيام الجهاد فمن يضمن ألا نعاني بعد زمن من العائدين من ميادين الإرهاب حولنا، بل ومن يضمن ألا تمتد إلينا حرائقهم؟
أعرف أن هناك من سيرفع صوته الآن بتهم التغريب والعلمنة ومحاربة الدين والصالحين... الخ، وأعرف أن هذه من أهم الأسلحة التي تستخدم لإرهاب كل من ينبه إلى خطر الإسلام السياسي، الذي كانت ما سمي بالصحوة حاضنته الرؤوم في بلادنا وبلدان أخرى. والآن دعونا نتأمل نوعية القضايا التي تثار في بلادنا حول الابتعاث والمرأة وخطوات التطوير، ولنتأمل طبيعة الأسئلة التي تعج بها برامج الفتاوى والأحلام، ولنتأمل ردود أفعال كثير من السعوديين في وسائل التواصل الاجتماعي المتألمين على سقوط تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، والفرحين بما يفعله الإرهابيون في سوريا واليمن والعراق وغيرها، تأملوا في هذا الواقع، ثم فكروا كم هو الجهد المطلوب الملح لمحاربة أفكار التطرف وتكريس قيم الاعتدال، ولا تنسوا ما سميناه بالصحوة ودعمناه حتى أصبحنا في هذه الحال. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نقلاً عن صحيفة "مكة"

www.makkahnewspaper.com/makkahNews/2014-02-17-09-03-10/58370#.U7ddrzgU85s

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.