.
.
.
.

نظرات إلى السماء: اللهم اشف (خولة)

قينان الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

الأخطاء الطبية أنواع، بعضها يفضي إلى الوفاة، وهذه النهاية قد تكون (أهون الشرين) للمصاب، وعائلته، أما أسوأ الشرين فهو ما تفضي إليه بعض الأخطاء من إعاقة دائمة، تعذب المصاب بقية عمره، وتعرض أسرته للمتاعب النفسية التي لا تضاهيها أي متاعب أخرى، فالتكاليف المادية مهما كانت لا تساوي شيئا أمام لحظة ألم في عيني معاق لا يستطيع التعبير عن ذاته، أو في أعين أب وأم لا يعرفان كيف يتغلغلان في أعماق فلذة الكبد، أما الذين قد يعجزون عن هذه التكاليف المادية التي تتطلبها العناية بمعاق، فإن هذا العجز يضاعف المتاعب النفسية التي هي أصلا شديدة وعميقة ومؤلمة.
وإليك هذا المثال الذي كتبه بماء روحه (الدكتور رياض) حيث تدفق قائلا: (لا يمكن أن تكون متأكداً من وصول المعنى الذي تريده إليك.. ذلك بسبب صعوبة تعبيرها عن مكنوناتها..
(خولة) تعاني من الشلل الدماغي.. بسبب اختناقها أثناء الولادة.. مما أثر على قدراتها الحركية بشكل كامل.. فهي لا تجلس فضلا عن المشي أو الزحف.. هي أيضا لا تستطيع الكلام بسبب الشلل الحركي.. لكنها تتمتع بالفهم بشكل ممتاز وتعرف الأشخاص والأحداث والأزمنة..
تتمتع (خولة) بسبب هذه القدرات العقلية الجيدة بالقدرة على التعبير عن نفسها وعن مشاعرها ورغباتها.. وذلك عن طريق الإشارة بالعين غالبا وأيضا قد تستخدم يديها المعقوفتين بسبب الانقباض اللاإرادي..
نحن في المنزل نكاد أن نصدر قاموسا لإشارات عين (خولة).
النظرة إلى السماء تعني كذا وكذا والنظرة إلى النافذة تعني كذا والنظرة إلى الأسفل تعني كذا...إلخ
بسبب محدودية إشارات العين فإن خولة كلما طورت مفهوما أضافته إلى إحدى الإشارات، مما راكم المعاني والمفاهيم في كل إيماءة.. فأصبحت إيماءاتها لغزا كل ما زاد الوقت..
اكتشاف المعنى الجديد أصبح تحديا لذيذا، وقد يكون مملا لنا لكثرة اقتراحاتنا للمعنى الجديد، وهي تشير أنها لا تقصد أيا مما نذكر لها..
هي لا تمل من عدم فهمنا لها.. لا تيأس من استمرار الإشارة بعينها حتى نصل للمعنى المراد.. في أحايين كثيرة تصل المحاولات إلى نصف ساعة وأكثر.. وذلك من أجل أن تقول لنا جملة من كلمتين أو أكثر..
الإشارة إلى السماء لها معنيان اثنان عندنا.. المعنى الأول يتعلق بجدها وجدتها حيث إنهما يسكنان فوق شقتنا مباشرة.. وغالبا تتضمن هذه الإشارة تهديدا بالشكوى لدى جدها مني أو من أمها حيث إن جدها أمرها أن تخبره بأي شيء نفعله وهي غير راضية عنه..
المعنى الثاني للإشارة إلى السماء هو رغبتها بالذهاب إلى صديقاتها في الملحق العلوي للعمارة حيث يسكن عمي.. وهي تزورهم يوميا من أجل التسلية وتغيير الجو..
لا أعلم على وجه الدقة كيف تكتسب خولة المفاهيم والكلمات الجديدة.. نحن نتفاجأ فقط بها أثناء حل لغز الإيماءات.. تتألم خولة كثيرا من جلسات العلاج الطبيعي.. لا تحب الانضباط في التمارين.. تتغيب كثيرا عن المدرسة.. هي لا تحب الالتزام ببرنامج صارم حتى لو كان في المنزل..
ولعلاج هذه المسألة بدأت أنا وأمها نتبع أسلوب الإقناع والتشجيع.. فصرنا نخبرها بشكل متكرر عن إمكانية الجلوس والمشي إن هي التزمت ببرنامج العلاج.. وصرنا نذكر لها كيف أن هذا ممكن إن هي التزمت وصبرت وثابرت..
كان هذا الأمر ناجحا في البداية.. وانضبطت لفترة ليست قصيرة.. واستمر تشجيعنا لها.. لكن آلام العلاج تكاثرت والبرنامج العلاجي طال عليها ولا تحسن في الأفق.. فبدأت ترفض الاستمرار في العلاج، وأصبحت تفضل الغياب أياما متواصلة..
في لحظة معينة بعد انقطاعها عن العلاج.. كنا نحدثها عن أهمية الصبر والاستمرار في العلاج وهي تحرك رأسها مصرة على الرفض.. قالت لها أمها يوما: يا خولة لا بد من العلاج.. كيف ستجلسين؟ كيف ستمشين؟
عند ذلك.. نظرت (خولة) إلى السماء..!!
كان واضحا لي ولأمها أنها لا تقصد جدها ولا تقصد صديقاتها كما تعودنا..
هنا أدخلت (خولة) مفهوما جديدا إلى نظرتها إلى السماء..
ولم يكن صعبا علينا فهمه مباشرة..
إنها تشير إلى الله ..) انتهى
هذه القصة واقعية معاشة، وليست من خيال أديب، ولو أدرك المشرعون في بلادنا عمق الوجع الجسدي والنفسي والمادي الذي يعانيه ضحايا الأخطاء الطبية - الأحياء - لعرفوا أن ملايين التعويضات التي يصرفها الغرب - الكافر - لهؤلاء الضحايا، إنما هي نقطة في بحر آلامهم، وهي آلام استشعرها الغرب، ولم يستشعرها المسلمون حتى الآن - مع الأسف -.
أتحدث من واقع تجربة، فهذه الطفلة المعاقة (خولة) حفيدتي، والدكتور رياض - أبوها - ابني، وهي ضحية خطأ طبي، فماذا نقول غير اللهم اشف خولة وكل مريض.

نقلأ عن صحيفة "مكة"

www.makkahnewspaper.com/makkahNews/2014-02-17-09-03-10/60123#.U8C5DDgU9eU

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.