ماني ناقص عِلل؟!

محمد أحمد الحساني
محمد أحمد الحساني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

عندما قال المكيون في مثلهم الشعبي «أبو نية يغلب أبو نيتين»، فإنه إما أن يكونوا يجسدون الزمن الذي جرت فيه صياغة المثل أو أن قصدهم هو أن الغلبة لأبي نية تكون في الدار الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم أو أن المراد هو الغلبة المعنوية التي يحصل عليها أبو نية حتى لو غلب ماديا من قبل أبي نيتين أو عدة نوايا على طريقة نم مغلوبا وأنت على حق ولا تنم غالبا وأنت على باطل لأن من ظلمته سيظل يدعو عليك وأنت نائم:
تنام ليلك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
أما واقع الحال في هذا الزمن فهو أن أبا نية غالبا ما يكون ضحية لأبي عدة نوايا خاصة في مجال البيع والشراء والتعامل المالي بصفة عامة، فقد أصبح من الناس من يغير نيته أكثر مما يغير ثوبه في اليوم الواحد، فإن عزم على بيع في الصباح غير نيته في الظهر وعاد ليغيرها في المساء وهكذا دواليك، فيكون ضحية هذه التقلبات المتواصلة هو المشتري أبو نية واحدة، أما إن كان المشتري نفسه صاحب عدة نوايا فهو يتقدم بطلب الشراء ويحدد الثمن ثم يتراجع مظهرا عدم الرغبة في الشراء، ثم يعود مرة أخرى عارضا سعرا أقل، فإن كان البائع صاحب نية واحدة وصدق المشتري وصرف بقية الراغبين في الشراء على أساس أن صاحبه المشتري أبو نيات متعددة جاد في رغبته وطلبه، فإن البائع ربما يخسر فرصة بيع عقاره في الوقت المناسب على مشتر جاد انصرف عنه واشترى من غيره لأن المشتري صاحب النيات المتعددة قد خذله بتردده ثم بعرضه سعرا أقل قد يضطر إلى بيعه به بعد أن تفرق المشترون.
وتبلغ المأساة حدها بالنسبة لتعدد النوايا في مجال العلاقات الاجتماعية، فقد يتقدم شخص إلى صديق أو قريب أو جار له بطلب يد ابنته أو أخته ويعرض الأمر على المخطوبة فتقبل بالعريس وتفرح وتستعد لعقد القران، ولكن «النذل» يغير نيته ليس لسبب يتصل بدين أو خلق أو سلوك المخطوبة ولكن لأن صديق سوء زين له فتاة أخرى وقال له عنها: إنها زي القمر بياضا ورشاقة وذكاء وملاحة وخفة دم، فينحاش المليح ويترك من خطبها تئن في آلامها وهو يردد: الزواج قسمة ونصيب . . وهو كذلك ولكن لا أحد ضربه على يده وقال له تقدم للأولى حتى تقبل به فيتركها طمعا في أخرى قد تكون من فئة خضراء الدمن!
وقد يتفق صديقان أو زميلان على السفر معا للسياحة ولكن أحدهما يغير نيته في اللحظة الأخيرة ولا يبلغ صاحبه بذلك ويكون اتفاقهما على اللقاء في المطار لتباعد المسافة بين سكنهما فإذا وصل صاحب النية الواحدة وبحث عن صديقه أبو نيتين لم يجده وإذا اتصل به وجد جواله مغلقا، فإما أن يلغي السفر ويتحمل الخسائر وإما أن يسافر وحده حزينا أسفا فيما يكون أبو نيتين يقول لأصدقائه ساخرا «يريد مني فلان أن أسافر معه.. لقد تركته في المطار مثل الحاج الضائع.. أنا ناقص علل!!».

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20140713/Con20140713711940.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.