كانت اللمسات أنعم
ربما وجدنا من يرغب عودة الرعاية الطبية في المدن والقرى الى سابق عهدها. حيث كانت الرياض مثلا تضم عيادات أطباء يذهب إليهم المحتاج، ويشرح علته ويأخذ وصفة الدواء، خصوصا إذا كانت الحالة لا تحتاج إلى عينة دم وتحاليل وأشعة التي توفرها المستشفيات الكبيرة. فقد لا تكون حالة (الطفل مثلا) لا تحتاج إلى الانتظار والتسجيل والذهاب إلى المختبر. هذا النظام أو العرف المهني في الرعاية الأولية ستجدونه مُطبقا ومعمولا به في كثير من البلدان، قصدي أن حالة عادية بسيطة يرعاها طبيب المحلة الذي اعتادت الأسرة على مراجعته.
من قائلٍ إن الذهاب إلى المستوصف أو المستشفى في زمننا الحالى يزيد العلة علة. فهناك الأنفاس وأماكن الجلوس وسوء التهوية، فهل تلك تُساعد على البرء أم هي استنشاق فيروسات "جديدة" والعودة بها إلى المنزل لنقلها إلى فرد من أفراد العائلة الأصحاء.
ثم إن أطباء البلد متفقون تقريبا على قيمة الكشفية. والآن توجد عيادات ومجمعات تطلب الكثير لمجرد دخول المريض على الطبيب.
صحيح قد يتفق المتابعون أن الأجهزة والتحاليل اختصرت وقت الطبيب. وكان الطبيب يستقبل المرضى مرتدياً مئزره الأبيض، وتتدلّى السماعة على صدره، وهذا الشكل بحد ذاته هيبة من ناحية، وطمأنة من ناحية أخرى بأن المُراجع أمام مِهنيّ عارف.
وصحيح أيضا أن أجهزة الضغط والتحليل قد أعفت المريض من ضرب ركبته بمطرقة مطاطية مرة أو مرتين. والنظر إلى لسانه، وجس عرق النبض في يد المريض، بين أصابعه، والنظر في عينيه بواسطة منظار من نوع مخصص وجعل المريض يقف مستقيما مغمضا عينيه، مادا يديه إلى الأمام.
كل هذه اختفت إما بواسطة ضيق الوقت أو أن الطبيب يعتمد كلية على جهاز الضغط وما يردهُ من المختبر.
نُطالع في الشعر والنثر وأي سرد أدبي أو روائي أن الطبيب يأتي إلى مريضه، وليس على مريضه أن يذهب إليه.
كان الطبيب يزور مرضاه حاملاً حقيبة فيها السماعة والمحرار وأداة ضغط اللسان "قول آه"..!!
وربما بعض الأدوية العاجلة.
الآن. الطبيب لا يأتي إليك، حتى لو كان منزلك في نفس الشارع. والزيارات المنزلية تكاد تكون معدومة. وإن تحققت الرغبة (رغبة المريض وأهله) وقام الطبيب بالزيارة قال للمريض بأن عليه أن يأتي اليه في المستشفى أو المستوصف لأنه - كي يتبيّن العلة - يحتاج إلى أجهزة ومناظير وتحاليل. وطبعاً لا يستطيع إحضار كل هذه الأشياء إلى بيتك العامر. ربما لأنها تحتاج إلى مصدر طاقة..! غير الذي تزوّد به منزلك. فوق ذلك عليك أخذ ميعاد. ثم دفع التكاليف.
وفي بريطانيا كانوا يستعيبون أخذ التكلفة عند الباب في الزيارات المنزلية بل عليك أن تنتظر فاتورة الزيارة بالبريد. خصوصاً إذا كان الطبيب ذا صلة وثيقة بالأسرة.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"