أوباش هيوستن، من أحاديث الاغتراب
أذكر أنه مر علينا شهر رمضان الكريم ونحن في هيوستن، وكنا نشعر بالعزلة والاغتراب، ولم يكن هناك جو روحاني، يشعرك برمضان.. وشكلنا مجموعة من الأصدقاء نتبادل الزيارات الرمضانية وربما تجمعنا للإفطار في بعض الأيام.. كنا مجموعة من الأصدقاء كما أسلفت من بينهم الأستاذ عبدالكريم العودة، والمرحوم الشاعر الفلسطيني الدكتور عبداللطيف عقل، والفنان التشكيلي أسعد شحادة.. وذات يوم عزمنا عبدالكريم على الافطار، وكان يسكن في منطقة اسمها «بوست أوك» في حي غالبية سكانه من اليهود.. وجرت العادة أن نتحدث قبل الإفطار في موضوع «ما» وكنا نتحدث ذلك اليوم عن الروائي الروسي «تولو ستوي» وهل إنه فعلاً مات مسلماً؟ واستمر الجدل والنقاش حول هذا الأمر فمنا من يقول إنه مات مسلماً بدليل أنه أمر بعدم وضع الصليب على قبره، ومنا من يقول إنه لم يكن مسلماً وإنما كان معجباً بالإسلام وبنبيه العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه جمع بعض الأحاديث النبوية في كتاب اسمه: «حكمة محمد عليه السلام» وقال الدكتور عقل إن هذا الكتاب قد ترجمه إلى العربية مترجم فلسطيني مسيحي اسمه «سليم قبعين»..
وعندما اقترب موعد الإفطار قال الدكتور عقل سوف أُأذن وأرفع صوتي كي يسمع اليهود اسم «محمد» وكانت تلك الأيام أيام اجتياح إسرائيل للبنان.. فقلنا لا داعي لذلك، ولكنه أصر مع أنه لم يكن ملتزماً، وقال: أريد أن أنفس عما في صدري، وأجهر بالأذان.. وخرج إلى حديقة المنزل، والتي كانت تطل على الشارع وعلى حديقة الحي والتي بها ملاعب، وأماكن للتسلية، خرج عبداللطيف، ورفع صوته بالأذان، وكرر«أشهد أن محمداً رسول الله» أربع مرات..!! وتجمع بعض الناس حول سور الحديقة ينظرون، ويستمعون باستغراب، وأفطرنا وكان الدكتور عقل منتشياً، وعبدالكريم حائراً وأسعد شبه مذعور، وحين قمنا إلى صلاة المغرب أصر عقل إلا أن تكون الصلاة في الحديقة، وما إن شرع الإمام في القراءة، حتى تهاوت علينا الحجارة، والعلب الفارغة، وأصابت سعد قطعة خشب على عاتقه، فقطع الصلاة مهرولاً وهو يردد: «ولك هيك يا عبداللطيف» أما نحن فقد صمدنا للحجارة وأظهرنا عزماً، وصلابة وتحدياً.. وحينما فرغنا من الصلاة وثب عقل، وأخذ يقذف بالحجارة، والشتائم، وفعلنا مثله كذلك، وكادت تنشب معركة هناك.. ثم عدنا إلى صالة الجلوس، فتوالت الحجارة على حيطان المنزل فانفعل عقل، وثارت ثائرته، واتصل بشرطة الحي وحينما وصل الضابط المسؤول، القى عليه عقل خطبة حماسية عن حقوق الإنسان، وعن العدالة والحرية الأمريكية، وأن هؤلاء الأوباش حاصرونا لمجرد، أننا أدينا فريضة دينية مسموح بها بحكم القانون الأمريكي، وراح يتحدث بانفعال والألفاظ يدفع بعضها بعضاً في رتل طويل من عبارات الغضب والسخط.. ثم قال: اسمع يا سيادة الضابط: إنهم يرون أن ينتقموا منا بسبب أطفال الحجارة في فلسطين، وظل الضابط الضخم الذي يمكنه أن يجر قاطرة محملة بالحجارة! ظل يستمع في صبر وشيء من الغيظ! واستمر عبداللطيف: إنني أعرفك أنك رجل شريف، وأنك لن تسمح بمثل هذه الأحقاد، تنمو وتتكاثر في بلدك، بسبب هؤلاء الأوغاد.. ثم كشف عن كتف أسعد وأراه الضربة وقال: يا سيادة الضابط إن هذا رسام قدير، وأن يده قد تصاب بالشلل أو التعطل، ومن ثم فسوف ينقطع رزقه، وانه من الضروري ان تقام دعوى قانونية لتعويضه، أضبط هذا لديك في المحضر..
كما أننا لن نغادر المنزل إلا بعهد وميثاق منك أن هؤلاء الأوباش لن يؤذوا عبدالكريم وصغاره.. فربت الضابط على كتف عبداللطيف عقل وقال: هذا واجبي، وخرج يلف المنطقة ويتحرى، ثم عاد إلينا مؤكداً أنه لن يترك هذا الأمر، ثم خرج وكان ذلك آخر العهد به!!
هذه إحدى حكايات الاغتراب الروحي والجسدي عن الوطن..
شفى الله زميلنا عبدالكريم وأعاده إلى الوطن سالماً، وزاد زميلنا أسعد شحادة تألقاً، والذي رسم هذا المشهد في لوحة رائعة سماها «الأوباش» ورحم الدكتور عبداللطيف عقل والذي كنت أتمنى أنه لا يزال حياً كي يرى ماذا يفعل شبان غزة اليوم؟
نقلاً عن صحيفة "الرياض"