عاداتنا الجميلة
إن شغلنا الشاغل فعل ترتيبات جماعية ترضي جميع الأطراف، ولكنها لا تبرح دائرة الأسرة وتتضمن أنماطاً من الترتيب وأصنافاً مختلفة ذات طابع اجتماعي جميل.
ليس الغرض من هذا الاهتمام استراجاع عادات التاريخ، بل البقاء على نمطها لأنها لن تنتهي مهما تقادم الزمن أو تغيرت تنظيماته وصياغة قضاياه.
فانطلاقاً مما نعرفه، وانطلاقاً من استعدادات المجتمع لدخول شهر رمضان المبارك، وطابعه الفريد من بين أشهر العام، له زخم خاص وقداسة ثرية، ترتفع أصوات الصلوات والدعاء في المساجد أغلب ساعات النهار والليل، وبدايات أصيلة للعبادات تعني بأشكالها القديمة والمتجددة بقلوب الأوائل والتابعين الأواخر.
وبهذا فإننا لا نبرح دائرة الخطاب الذي يحوي تعاليم الدين والطابع الاجتماعي الذي ينشط في هذه المناسبات السعيدة، وينعكس على السلطة الاجتماعية وينظم أدوارها وإدراكها وإيمانها بجميع التعاليم الدينية والدنيوية.
وبهذا المقتضى تعتبر جميع النقاط مرتبطة بعضها ببعض، منذ بداية رمضان إلى نهاية العيد السعيد، وتستقر جميع الدلائل والأوضاع في ساحة الجماعة، لتنسجم مع وعي التاريخ والحاضر ويعتبر تقليداً له مراحل متتالية، تبدأ من الصغار إلى الكبار والعكس.
وهناك جانب كبير من الاستعداد المبكر لأيام العيد، تبدأ من الحركة الشرائية، إلى إعداد مكثف لبرامج شيقة، تهرب من الروتين إلى مفاجآت وحفلات يتجمهر حولها ووسطها مجموعات تشرق الابتسامة على محياها، وتتبادل التهاني بالعيد.
إن تكنولوجيا الارتباط مهما بلغت تقنيتها وساعاتها التأثيرية، فلا تستطيع أن تتخلص من الالتزام الذي يمثل استراتيجية خاصة للعادات المتوارثة لأهل هذا البلد المقدس، وما جاوره من دول عربية تسير على النهج ذاته.
لقد سبق وعشنا العيد في دول أوروبية لها طبيعة خلابة وأجواء ساحرة، وأنهار جارية، ومقاهٍ جميلة على جانبي الشوارع الرئيسية، فضلاً على محلات بيع الورود والألوان الجذابة التي تزين الأماكن وعبيرها الذي عطر الأجواء.
ولكن خاصية الخريطة التي حملت مساحة وطني أجمل وأنقى من بلاد العالم، لما فيها من تميز داخل البنية العميقة وتحليل نفسي يصعب تفسيره، يهدف إلى تشكيلات مبهجة، تربط الناس بأوطانها ومجتمعاتها، دون دوافع بل مراحل خاصة تخضع للمحور التكويني للفرد.
وفي الواقع الروح الإنسانية تتوق دائما إلى ماضيها وبيئتها وخلاصة انتمائها، ويتشكل بذلك مجمل الحياة، ويقوي عزيمة الغايات والأهداف، فكلما تكتشف دواعي حبك وعشقك لأرضك وأهلك تجد أن الفاعلية عفوية بريئة، تنزع إلى الإنسانية المؤيدة للاستقرار والأمان، قرب من تحب، فتنمو كل آمالك وأمانيك، وتكبر طموحاتك تحت سماء حياتك، الذي ارتبطت سعادتك ونجاحاتك به، ومهما تعددت تجاربك ووسائلك فلن تبتكر بديلا للمكان الذي نشأت فيه.
لا ينبغي أن يلجأ الفرد إلى السلبية لكي يبرر تصرفه، أو يحمل غيره فشله، فإن أكثر السلبيات ألما عندما تتنكر للأرض التي أنبتت سنابل حلمك وغذت أهدافك، فإن تحقيق الجديد الايجابي يعود لإخلاصك وفكرك وذاتك الفاعلة، التي تكون قادرة على تحسين ذاتك وانفعالاتك وأنت تتنفس هواء بيئتك وأرضك.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"