إن لك عنقا جميلا
تناقلت وكالات الأنباء عن عملية إعدام لأحد المجرمين في ولاية (اريزونا) بأمريكا، وقد استغرقت عملية الإعدام زهاء ساعتين قبل أن يلفظ المحكوم أنفاسه، وذلك عبر حقنة قاتلة.
وظل المسكين يتقلب في معاناة قاسية من اللهاث والشخير، وحسبوا له أكثره (٦٠٠) شهقة قبل أن يموت.
وعلق زميلي الذي قرأ الخبر مثلي قائلا: ليس هناك أنجع وأرحم من تنفيذ القصاص (بالسيف الأملح)، فالعملية برمتها لا تستغرق أكثر من دقيقة واحدة، إذا نفذها سياف حاذق ومحترف.
ظل هو يتكلم فيما سرح خيالي للخلف سريعا قبل ما يقارب من خمسة عشر عاما، وذلك عندما حضرت دعوة لوليمة غداء عند أحدهم في الطائف.
كان المجلس صغيرا، وجمع المدعوين لا يزيدون على عشرة أشخاص، وكلنا جلوس على الأرض نستند على المخدات و(المراكي).
وصادف أن من كان يجلس بجانبي رجلا مكتنز الجسم ومفتول العضلات، بشرته داكنة، وعيناه حمراوان، ولاحظت أنه طوال الوقت كان صامتا إلا من بعض الكلمات التي بالكاد تخرج من براطمه المتورمة.
وقبل أن تحين ساعة الغداء، أخذنا نقطع الوقت مشرقين ومغربين بالأحاديث بشتى المواضيع، وحيث إن أحد الحاضرين يعرف تمسكي وشغفي (بحقوق الإنسان)، فقد فتح أو طرح هذا الموضوع للنقاش، وهو على يقين أنني سوف أدلي بدلوي في هذا الموضوع الحيوي والحضاري.
وهذا هو ما حصل فعلا، لأنني أمسكت بزمام الحديث مدافعا عن الحق، ومهاجما الباطل، وأرغيت وأزبدت وشطحت بالحماس إلى درجة الاعتراف أنني أنتمي إلى أنصار المعارضين لأحكام الإعدام في جميع أنحاء العالم، ووصل بي الأمر إلى مهاجمة المنفذين لتلك الإعدامات سواء بالرصاص أو المشانق أو السيوف أو الكراسي الكهربائية أو الحقن القاتلة.
تركوني أتكلم على راحتي ولم يقاطعني أحد منهم، وبعد أن تعبت من كثرة الكلام توقفت.
وران على المجلس صمت غريب، إلا من بعض الضحكات المكبوتة، وأحسست أن الموضوع فيه (إن).
وفجأة التفت لي ذلك الرجل الغامض الجالس بجانبي، وأمسك ذقني بيده الكبيرة والغليظة قائلا لي: ادر صابرك، وأرفع عنقك إلى الأعلى، فتعجبت من طلبه، ولكنني امتثلت له وأنا ابتسم معتقدا أن لديه شيئا من التخلف العقلي، واحترت عندما قال لي بما معناه: إن لديك عنقا جميلا، يا ليتني أقطفه.
فتعالت الضحكات من البعض.
لا أريد أن أطيل عليكم، فأخينا بالله ذلك الذي أخذ يتغزل بعنقي ما هو إلا (سياف) محترف، وسبق له أن نفذ عشرات الأحكام الشرعية، وما أن عرفت ذلك حتى تخلخلت مفاصلي وكاد أن يغمى علي وأنا أقول: (يالهوي).
وعندما ذهبنا إلى السفرة جلس بجانبي، وأول ما فعله هو أن تناول رأس الذبيحة ووضعه أمامي، ثم أخذ يقطع اللحم ويرميه أمامي قائلا لي: كل، كل، لا تستحي..
ومن يومها عافت نفسي اللحم.
نقلاً عن صحيفة "عكاظ"