مخاتلة (المبتعثون: من يجرؤ على السؤال؟)
صحيفة «الحياة» رصدت في عدد أمس «إنهاء عقود خريجات مع مرتبة الشرف في ثلاث جامعات، وتوظيف أخريات أقل منهن من حيث المؤهلات العلمية، وسط وجود شبهة المحسوبية والواسطة».
هل هناك تواطؤ من الجامعات على التضييق على العائدين من رحلة الابتعاث؟ ولماذا يحدث ذلك؟ هل يتحكم الأدنى تأهيلاً في الأعلى درجة والأرقى تعليماً؟ هل المهارات المتدنية للقائمين على الفحص والقبول هي السبب، أم أن برنامج الابتعاث فاشل وخريجوه أقل من أن تنطبق عليهم معايير الجامعات؟ هل يغار الجيل القديم من هجمة هؤلاء الجدد المسلحين بمعرفة تجاوزتهم منذ أعوام؟ هل لدى وزارة التعليم العالي المشرفة على برنامج الابتعاث والمسؤولة عن الجامعات في الوقت نفسه أية خطة لمواجهة هذه الحال المتكررة من شكاوى المبتعثين؟ هل تتابع الوزارة الإعلام المرئي والمقروء لتعرف حجم النبذ الذي يصفع المبتعثين ويكسر اعتزازهم؟ أين اختفت تقارير الوزارة، أيام نشوة الابتعاث، حين كانت تقول إن لديها خططاً استراتيجية لبرنامج خادم الحرمين للابتعاث؟ أين تصريحات وكيل الوزارة السابق الدكتور عبدالله الموسى عام 2010: «لدينا 19 تخصص ابتعاث في 27 دولة مدرجاً بناء على حاجات سوق العمل»؟ أين قوله: «لن يمثلوا أية مشكلة في سوق العمل المحلية»؟ هل سيحاسب على تلك التصريحات أم أن الكلام مجاني والمسؤولية غائبة؟ في عام 2011 صرّح وزير المالية أن كلفة الابتعاث في ذلك العام وحده نحو 23 بليوناً، فما الذي تحقق منها؟ هل الدولة تصرف كل هذه المبالغ من أجل عمل السعوديين في البلدان التي ابتعثوا إليها أو للهجرة إلى دول الخليج؟
يقول الدكتور عبدالعزيز الخضيري في مقالة له في كانون الثاني (يناير) الماضي: «حفلات التخرج التي تقيمها الملحقيات السعودية أو الجامعات العالمية تزخر بعدد كبير من ممثلي تلك الدول الباحثين عن الكفاءات السعودية، وتعمل على إغرائها بالمال والامتيازات الأخرى مع التأكيد على المساحة التي تعطى للكفاءة، للتواصل مع أهله في السعودية أو نقلهم مع كل التسهيلات إلى الدول المستقطبة، ولو التفتنا وسألنا أنفسنا عن العديد من الكفاءات التي كنا نعرفها ونتعامل معها ثم اختفت فجأة من بعض مستشفياتنا الحكومية والخاصة، ومن مشاريعنا وغيرها، لوجدنا الجواب الشافي أين ذهبت وأين تعمل ولماذا».
من الواضح أن لا خطط لتوظيف المبتعثين، وأن «التعليم العالي» يغرّد بمعزل عن «العمل»، وأن السوق لا ترحب كثيراً بالعائدين بما في ذلك الجامعات السعودية التي تتواتر قصص المبتعثين عن تعاملها السلبي معهم، وتكشف هذه الحكايات نظام الممانعة لدى الجامعات، وخشيتها من المبتعثين من دون أن تتحرك الوزارة حتى اليوم، ولعل قصة الأمس التي جرت في ثلاث جامعات تبرهن على «الحال العميقة» التي تعيشها هذه الجامعات على رغم كثرة غير السعوديين فيها، وعلى رغم أن هؤلاء الخريجين درسوا في جامعات وتخصصات معتمدة من الوزارة. في عام 2012 أعلنت وزارة العمل برنامجاً اسمه «جاهز»، بهدف توظيف العائدين من الابتعاث، لكنه حتى اللحظة لا يظهر على موقع الوزارة وضمن برامجها، ولا يمكن الوصول إلى رابط له!
التفسير الوحيد لبطالة خريجي برنامج الابتعاث هو أن «الجهات المعنية» تريد لهم الراحة وبعضاً من الكسل بعد ركضهم لأعوام عدة في الغربة والدراسة، أو أنها تريد دعم السوق الخليجية بالكفاءات التي يحتاجها حتى التخمة، ومن ثم تبحث خيارات هؤلاء داخلياً بعد ذلك.
في كل حال يمكن للمبتعثين أن ينظموا الطابور، وهم الذين تعلموا أصول الانضباط خلال معيشتهم في الخارج.
نقلاً عن صحيفة "الحياة"
alhayat.com/Opinion/Jasser-AlJasser/3998679/مخاتلة-(المبتعثون--من-يجرؤ-على-السؤال؟)