موت وخراب ديار!

محمد أحمد الحساني

نشر في: آخر تحديث:

هذا مثل حجازي كان يستخدم على هون عندما يتوفى أحد أفراد أسرة من الأسر فتجد الأسرة نفسها تتحمل ضيافة أقاربها من المعزين القادمين من المدن الأخرى، في زمن سابق كان فيه الناس رقيقي الحال في معظم الأحوال، حتى ليشق على الواحد منهم توفير متطلبات أسرته فكيف إذا أصبح مطالبا بتوفير الغذاء والمبيت لخمسين شخصا من ذكر وأنثى لمدة تصل إلى أسبوع، حيث لم يكن في استطاعة من حول أسرة المتوفى صنع «طعام لآل جعفر» لأن العين بصيرة واليد قصيرة، ثم تحسنت أحوال المجتمع بصفة عامة فأصبح أقارب وأصدقاء أسرة الراحل يتحملون تكاليف أيام العزاء بنفوس طيبة في أغلب الأحوال!.
ولكن ما دعاني إلى العودة للمثل الآنف الذكر هو ظهور نوع من النصابين بلغني عنهم أنهم إذا ما قرأوا خبرا في صحيفة أو إعلان نعي وكان في الخبر أو الإعلان رقم أو أرقام جوال، فإنهم يبدؤون في الاتصال بذوي المتوفى مقدمين لهم التعازي الحارة مؤكدين لهم أنهم من أصدقاء ومعارف «المرحوم» أو المرحومة أو من الذين بينهم وبين المتوفى معاملات تجارية وحقوق، فإذا انتهت معزوفة التعزية زعم أولئك النصابون أن المرحوم قد اقترض منهم قرضا حسنا ولم يسدده لهم حتى وفاته وأنهم يأملون أن يقوم الورثة بإبراء ذمته فإن طولِب المتصلون بالإثبات زعموا أنه أخذ المبلغ منهم نقدا، ومنهم من يدعي أن المرحوم كان قد كلفهم بالإشراف على مجموعة من الأيتام والأرامل الذين يسدد عنهم إيجار سكنهم ويقدم لهم معونات سنوية لطعامهم وشرابهم، وأن هدفهم من الاتصال حث الورثة على الاستمرار في فعل الخير وإرسال المبلغ الذي يغطي احتياجات أولئك الأرامل والأيتام مقدمين لذوي المتوفى رقم حساب يطلبون تحويل مبالغ عليه حتى يستمر عطاء الراحل لأولئك البؤساء بعد وفاته عن طريقهم فإذا حاول ذووه التثبت من هوياتهم بطرائق عملية لاذوا بالفرار!.
وما ذكر أمر جديد طارئ على الساحة الاجتماعية، يدعو للتفكير في أسباب ظهوره، فلولا أن أولئك النصابين وجدوا من يصدقهم ويعطيهم أموالا بحجة تسديد ديون لهم على المرحوم أو لأعمال خيرية كان يقوم بها في حياته ويريدون أن تستمر من بعد، لما كرروا التجربة مع أسر متوفين آخرين.
ويقول لي أحد الإخوة وقد توفي والده قبل ذلك بعدة أيام أنه قابل شخصا لا يعرفه فسلم ذلك الشخص عليه وذكر له بعض ما يعرفه من مآثر والده وأنه رآه «قبل يومين» في جنة كثيفة الأشجار وهو يحمل بيده اليمنى غصنا أخضر وقد ظهرت عليه علامات الارتياح والفرح وكانت ثيابه بيضاء مثل الثلج فشكره أخونا على ما سمعه منه وهم بالانصراف إلا أن الرجل أمسك بيده وقال له : ألا تريد أن تتصدق عن أبيك بشيء حتى أراه لك مرات أخرى في الحلم فسأله قائلا: وهل والدك أنت حي أم ميت فأجابه : أعطاك عمره من عشر سنوات فقال له: اعطني شيئا من المال وأنا سأرى والدك في المنام كل ليلة يحمل شجرة لا مجرد غصن وسوف أوافيك بالتفاصيل هاتفيا مع إشراقة كل صباح.. فنظر إليه الرجل النصاب نظرة ذات معنى ثم مضى لا يلوي على شيء !؟.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20140811/Con20140811717102.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.