.
.
.
.

مخاتلة (في عزاء السوريين)

جاسر الجاسر

نشر في: آخر تحديث:

لا تقلقوا فالجماعات الجهادية الإرهابية التي غادرت أرضكم ستعود إليكم قريباً بعد أن تضيق بها السبل في العراق، فلا تجد لها طمأنينة وأمناً إلا بين ظهرانيكم. لا تنتظروا أن تتساقط عليكم المعونات الغذائية قريباً، فأنتم لا تعيشون في جبال سنجار الحارقة، بل ترفلون في أراضٍ خصبة اشتهرت بخيراتها المتنوعة، فلا خوف عليكم من جوع وعطش. لا تتوهموا أن سياحتكم تراجعت فلديكم اليوم سياح من كل الجنسيات، وإن اختلفت اهتماماتهم من رائحة التاريخ والثقافة إلى رائحة الدم ونشوة قطف الرؤوس. لا تظنوا أن الأسلحة المتدفقة إلى كردستان سيصل بعضها إليكم من طريق الخطأ، إذ يبدو أن الخطر الذي يتهدد أربيل لا يسكن في الرقة مسيطراً على نحو ثلث بلادكم. لا تحزنوا على شتاتكم، فللمرة الأولى تستطيعون السياحة من دون حرج الجوازات، ومن دون خشية الفصل من العمل، أو ركود التجارة، كما أنكم تشاركون إخوانكم الفلسطينيين الحال ذاتها، وتبرهنون أن الشام قلب العروبة النابض. لا تظلموا النظام لديكم فهو مؤدب وديموقراطي، ولا يشكل خطراً على الاستقرار في المنطقة، كحال المالكي الذي طار بين عشية وضحاها. لا تستغربوا من انتفاض منظمات حقوق الإنسان من أجل حادث فض «رابعة» والتباكي على ضحاياه، فما يحدث لديكم ليس جرائم ضد الإنسانية وانتهاكاً للأقليات، بل هو لعبة مبتكرة اسمها «البراميل المتفجرة». افرحوا بوجود كوادر «حزب الله» بينكم، فهي تحميكم من الإرهاب وتتدرب من أجل استعداد محور المقاومة والممانعة لحرب إسرائيل. لا يسوءكم دمار أرضكم وخراب بيوتكم، فهما مقدمة لإعادة التعمير والبناء الحديث، نظراً لقدم مبانيكم وتهالكها.

وحدكم تتحملون مسؤولية إبعادكم إلى الهامش، لأنكم أمضيتم أربعة أعوام في ثورة تائهة حتى أن نظامكم الممانع استخسر إهدار القنابل والصواريخ، فأغدق عليكم براميله.

ألا تحبون الشهادة؟ كل أنواع الشهادة المتفق عليها والمختلف حولها متاح لكم، فاختاروا ما شئتم، فهل تريدون التكالب على الحياة الدنيا وخسران الفضل العظيم؟ هل تريدون حرمان المخلصين من الدعاء لكم؟ هل تودون إحباط جهود ناشطي الإغاثة من جمع التبرعات لكم، وإلقاء المحاضرات من أجلكم؟ ألا يسعدكم أن الجهاد براياته المختلفة يتصارع على أرضكم؟

فقَدَ العالم اهتمامه بكم، فالموت والتعذيب والحرق وهدم المنازل من الحوادث اليومية لديكم، فلا جديد فيها ولا اختلاف.

أنتم مثل «إيبولا» تستحقون الحجر حرصاً على سلامة البشرية، فإذا كان من الصعب إنقاذكم، فلا تكونوا خطراً على البشرية بنشر رائحة الموت التي يجب أن تبقى ضمن حدودكم.

نعتذر إليكم، فليس لكم صوت عالٍ، ولا مهارة إدارة الإعلام، وحربكم ليس فيها جماهيرية ولا نجومية، وإلا لما كانت عملية فض «رابعة» تستثير القنوات لساعات متواصلة، وتتسابق فيها أقوال الشجب والرفض والاستنكار بينما دمكم مهدور ووضعكم منسي حتى من إعانات الدواء واللقمة.

مشكلتكم أنكم تقاومون بصمت، فلا صوت لكم، ولا منبر إلا صرخاتكم وشهقاتكم، وأنكم تبحثون عن حرية خالصة، لا تقوم فيها راية سوى رايتكم واستعادة بلدكم.

تريدون النصيحة؟ أنعشوا قائمة «الإخوان» التي أنهكها الأسد الأب، وسلموها منصة الائتلاف واجعلوها واجهة الثورة، وحينها لن تكونوا على الهامش أبداً، وسيتدافع القوم إلى نصرتكم ومساندتكم لأنكم... حينها، ستكونون ثورة حرية وكرامة وعزة إسلامية.

«من جاور السعيد يسعد»!.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

alhayat.com/Opinion/Jasser-AlJasser/4114055/مخاتلة-(في-عزاء-السوريين)

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.