هذا هو (ساند) التكافلي الرائع: (الغبن) شعور قاتل
كثيرون - خاصة في تويتر - هاجموا نظام (ساند) حيث - كما يرون - ليس هذا وقته، وبعضهم حرموه شرعا، وبعضهم وصفوه بالابتزاز، وآخرون اعتبروه ضريبة، وأحد الكتاب قال أين المليارات، وغيرهم سخروا منه ونكتوا عليه، و ... و...، وهناك اقتصاديون متخصصون بعضهم أيده ورأى أنه خطوة حضارية تأخرت، وأحدهم قال إنه لزيادة دخل التأمينات.
وقبل أن أناقش أود أن أوضح فهمي للنظام، وهذا هو تعريفه، كما هو من موقع التأمينات الاجتماعية:
(سعياً نحو تكامل منظومة التأمين الاجتماعي بالمملكة فقد صدر المرسوم الملكي رقم (م 18) وتاريخ 12/3/1435هـ القاضي بالموافقة على نظام التأمين ضد التعطل عن العمل «ساند» الذي يطبق على جميع السعوديين دون سن التاسعة والخمسين الخاضعين لفرع المعاشات بموجب نظام التأمينات الاجتماعية إذ يقوم على رعاية العامل السعودي وأسرته خلال فترة تعطله عن عمله لظروف خارجة عن إرادته بحيث يعمل البرنامج إلى سد الفجوة الانتقالية بين الوظيفة السابقة وفرصة الحصول على وظيفة جديدة وذلك بتوفير حد أدنى من الدخل ليوفر له ولأسرته عيشاً كريماً بالإضافة إلى توفير التدريب اللازم ومساعدته في البحث عن عمل آخر)
والآن، وبعد هذا النص الواضح، من المقصود به، وهل هو نظام جيد للفئة المقصودة أم إنه غير مفيد؟
حسنا. سأشرح ما فهمت: النظام خاص بالموظفين (أكرر الموظفين) السعوديين في القطاع الخاص، الذين على رأس العمل ويدفعون من خلال جهات عملهم تأمينات اجتماعية نصفها تتحملها جهة العمل والنصف الآخر يحسم من راتب الموظف، ومع نظام (ساند) سيتم من الشهر المقبل (هجريا أو ميلاديا) إضافة %2 نصفها (%1) ستتحملها جهة العمل، والنصف الآخر على الموظف، فإذا قامت جهة العمل بفصل (أكرر فصل) هذا الموظف السعودي، أو أفلست، فإن (ساند) يصرف عليه، بحد أدنى من الدخل الذي كان يحصل عليه، إلى أن يجد وظيفة أخرى، فالنظام إنساني تكافلي رائع، ومطبق في معظم دول العالم المتقدمة، وأعتقد أن تطبيقه عندنا تأخر كثيرا، ولمزيد من الإيضاح فهو لا علاقة له بالعاطلين الذين لم يبدؤوا حياتهم الوظيفية، فهؤلاء مقيدون على نظام (حافز) الذي أعتبره من محفزات البطالة.
هذا هو فهمي وأظنه فهم المؤيدين، أما المعترضون فمن خلال متابعتي وجدت أنهم ينقسمون إلى فئتين: فئة كما يقال (لا يعجبها العجب) فهؤلاء إن أعطت الدولة قالوا (تبذير لثروات الأجيال القادمة) وإن وضعت نظاما مثل (ساند، وقبله ساهر) قالوا هذا نهب وامتصاص لدخل المواطن، وهؤلاء يمكن معرفة توجهاتهم من خلال كتاباتهم وتعليقاتهم وتغريداتهم، حيث يستطيع الراصد العارف بهم، القارئ لمنطلقاتهم، والمطلع على السياقات والتطلعات، أن يحدد بأدلة واضحة أن هذه الفئة بطبيعة توجهاتها لا بد أن تكون ضد أي قرار للحكومة - مهما كان، فهم لا يدخرون وسعا في التسفيه والتبشيع والتدليس، والمعارضة للمعارضة، ويسعدهم أن يكثر حولهم (المدعمرون، والسذج) لتأييدهم ونشر ما يقولون ويكتبون ولهذا فلا فائدة من شرح النظام لهم، فهم معترضون، ومعارضون له ولغيره من الأنظمة، حيث هذا جزء من ميدانهم ودورهم، فهم يجاهدون ضد التطوير وضد الدولة عموما منذ حركة (جهيمان)، وقيام (الغفلة) الشهيرة بالصحوة، وحتى اليوم وغدا.
أما الفئة الثانية: فهم المواطنون المحتاجون حقاً، الخائفون من الضريبة، ومن كل ما يمس دخلهم مهما كان ضئيلا، فهؤلاء مواطنون صادقون مع أنفسهم ومع الدولة، وهؤلاء اعتادوا أن الدولة تعطي ولا تأخذ منذ أن عرفوا الدنيا، وبعضهم يعلم (والبعض الآخر قد لا يعلم)، أن دعم الدولة السنوي للمحروقات وبعض المواد الغذائية المهمة، وبعض المهن، والكهرباء والماء، وغيرها، يتجاوز نصف تريليون ريال (أكثر من خمسمائة مليار ريال)، لكن هذا الدعم يذهب للجميع، الغني والفقير والمواطن والمقيم، لذا لا يكاد يشعر به أحد، وقد كتبت وكتب غيري عن ضرورة رفع الدعم كله عن جميع السلع والمهن تدريجيا، وتوجيه هذه المليارات إلى المحتاجين لها وفق نظام دقيق قد يكون مستقلا، وقد يكون عبر وزارة الشؤون مع تطوير أنظمتها، والأنظمة التي تخدم مثل هذا التوجه موجودة لدى الدول التي سبقتنا، ويمكن الاستفادة منها وتكييفها لأوضاعنا، ولدينا من الخبرات والإمكانات ما يحقق ذلك، مع ضرورة الشفافية حول الدخل العام للدولة، والموازنة السنوية وعرضهما للمناقشة في مجلس الشورى، وإنني على ثقة أن هذا لو حدث لن نجد هؤلاء المتذمرين من فرض أي نظام لمصلحة الوطن والمواطن مثل (ساند، وساهر) وغيرهما، حيث سيشعر الجميع أنهم يسيرون نحو المستقبل بخطوات منطقية واثقة، وسيشعرالمحتاج أنه يأخذ حقه كاملا.
إن معظم الرافضين من هذه الفئة - وهم الأكثر والأهم- لهذه الأنظمة الضرورية لحاضر الوطن ومستقبله سواء كانت تفرض غرامات أو رسوما نقدية، لا يرفضونها من حيث كونها مطلبا حضاريا مهما، ولا لمضايقة الدولة ورفض قراراتها وأنظمتها لمجرد الرفض، فمعظمهم لو قلت له إن رأيك يضر الوطن أو القيادة في أي أمر لشعر بالألم وتأسف، وقال دون تردد إنه يفدي الوطن والقيادة بروحه، لكنهم بين الحين والآخر، يجدون في مثل هذه الأنظمة فرصة للتعبير عما هو أعمق وجعا وأبلغ تأثيرا في حياتهم من مجرد رفض نظام جديد، فهم فيما يبدو لي يشعرون بالغبن من أنهم لا يحصلون على حقوقهم كاملة، بينما يرون مئات المليارات التي تصرف ولا يشعرون أنها تلبي احتياجاتهم، وربما كثيرون لا يعرفون شيئا عن مليارات الدعم هذه، لأنها لا تعلن وكأنها من أسرار الأمن القومي.
إن إعادة النظر في آلية صرف مئات المليارات للدعم بما يحقق العدالة الاجتماعية بين المواطنين سيقضي على مثل هذه الظواهر من الرفض والتذمر، فالغبن أسوأ شعور يدمر أي أنسان. المغبون لا يشعر بالغبن لأنه فقير أو مريض أو ... أو ....، إنه يشعر بالغبن لأن له حقاً يأكله غيره وهو لا يستحق، وهذا شعور قاتل، لا يجتثه غير العدل.
نقلاً عن صحيفة "مكة"
www.makkahnewspaper.com/makkahNews/writing22/67535#.U-xLh7jpceE