.
.
.
.

أترحم على مين؟!

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

تحدثت في مقال سابق عن ما يسمى (بالكاريزما)، وهي أشبه ما تكون (بالمغاطيسية الساحرة) ــ إن جاز التعبير، وهي تتجلى أكثر ما تتجلى بالزعماء، وأخذها الدهماء في عالمنا العربي ــ للأسف ــ غلط، وأسبغوا ذلك الوصف على كل زعيم طويل عريض (ملوسن)، حتى لو كان أحمق وخالي الفكر ويجرهم جر الكباش إلى الهزائم.
ونسوا في هوجتهم المضحكة تلك شطر بيت الشعر القائل: أجسام البغال وأحلام العصافير.
ولكن إليكم زعيما (كارزميا) لا يمت لعالمنا العربي بصلة، فهو زعيم، ضئيل، قميء، أصلع، أثرم، يكاد يكون متجردا حتى من ثيابه، ألا وهو (غاندي).
ذلك الرجل العظيم الذي تصدى (لبريطانيا العظمى) في وقت عزها، بصدره المكشوف الذي تعد أضلعه من شدة الهزال، كان يتكلم بصوت خافت وكأنه العذراء في خدرها، ولكن كلامه كان (قولا على فعل)، وليس مثل زعمائنا التي كل خطبهم هي: قول على (ط ..ع) ــ وأكملوا أنتم الحرفين الباقيين.
ذلك الزعيم كان لا يبتعد عن (رسو وتلستوى) في اعترافاته بضعفه كإنسان في بعض مراحل حياته، وفي سجنه الطويل بين عامي ١٩٢٢ وعام ١٩٢٤، كشف فيه المستور بصراحة أخاذه.
واعترف أنه كان جبانا يخاف من اللصوص والظلام والأفاعي، وأنه شرب الخمر ودخن السجائر، وأكل اللحم الذي تحرمه عقيدته، وخان زوجته ودخل مواخير الفسوق، وكذب على والده، وسرق أخاه.
وفي ساعة تجلٍّ أنبه ضميره فجأه، وقرر أن يكفر عن خطاياه، وكتب رسالة لوالده المريض يطلب منه الصفح ويقول:
ارتعشت يدي وأنا أتقدم له برسالتي، وكان فراشه لوحا عاريا من الخشب، وجلست قبالته أرقبه وهو يتصفح اعترافي، ورأيت الدموع كاللآلئ تنهمر من عينيه في صمت، وتسبح على وجنتيه ثم تسقط على الورق، وأغمض عينيه لحظة، متفكرا، ثم مزق الورقة، ووجدت نفسي أبكي مثله في سكون.
ويمضي قائلا: ومع ذلك ورغم اعترافي ورغم ذلك الموقف الذي هد كياني، إلا أن الضعف الذي ما زال كامنا في أعماقي جعلني اقترف الخطيئة الكبرى التي غيرت مجرى حياتي، ويقول:
نحو الساعة الحادية عشرة كنت لا أزال أدلك قدمي أبي، واقترح على عمي أن أكف وأذهب لأستريح، فأطعته فرحا، وأسرعت إلى مخدعي، وكانت زوجتي المسكينة قد استسلمت للنوم، إلا أنني قشعت اللحاف من عليها وأيقظتها بلا هوادة وضاجعتها عنوة، وما هي إلا خمس أو ست دقائق حتى قرع الخادم الباب، وفزعت وأنا أسمعه يقول: استيقظ، إن أباك مريض جدا ووثبت من فراشي وعندما وصلت إلى حجرة أبي أدركنا أنه تركنا إلى الأبد.
وضربت كفا بكف، وشعرت بالعار يجللني، فلو لم تعمني الرغبة البهيمية لظللت إلى جوار أبي في لحظاته الأخيرة أدلك قدميه، وأضع رأسه الحبيب على صدري ــ انتهى.
هل أترحم على غاندي، أم أترحم على زعمائنا؟!.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20140817/Con20140817718109.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.