.
.
.
.

هؤلاء (مقهورات) في (الباحة) وغيرها: (ذكور) يتوارثون (الجهل)

قينان الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

في بيئتنا المحلية بمنطقة الباحة ظلم واضح بحق غالبية النساء، وهو ظلم متوارث فيما يتعلق بالإرث وغيره من الحقوق، وهو ظلم سائد في بيئات اجتماعية محلية أخرى بالمملكة، فهن محرومات من الإرث الشرعي بحكم العادات والتقاليد، وبسطوة قانون (العيب) التاريخي، ومع أن قانون (العيب) الشهير الذي أصدره السادات في مصر عام 1980 قد ألغي، فإن قانون (العيب) المتوارث عندنا ازداد ضراوة، فامتد تطبيقه إلى رواتب المعلمات والموظفات اللواتي لا تعلم كثيرات منهن كم راتبها، فمنذ تعيينها ومباشرتها للعمل انحصر دورها في تجديد بطاقة الصراف لدى البنك وتسليمها لولي أمرها (الزوج أو الأب أو الأخ)، وهو يتولى الاستيلاء عليه شهريا، وبعض أولياء الأمور (الظلمة) هؤلاء يصفونه بالطيبة والكرم والتسامح، ليس لأنه كذلك فعلا، وإنما لأنه يعطي المسكينة (المسلوبة الحق) مئتين أو ثلاثمائة ريال من راتبها تفضلا منه، وبعض الآباء والإخوة عضلوا بناتهم وأخواتهم وحرموهن من الزواج حيث تحولن في نظرهم كالأبقار الحلوب التي تدر عليهم عشرات الآلاف شهريا، وفي المنطقة كما يعلم أهلها ويتناقلون فتيات بلغن سن التقاعد ولم يتزوجن بسبب رواتبهن التي تصب في جيوب أولياء أمورهن، وبعض اللواتي تجرأن وامتنعن عن تسليم بطاقات الصراف لأزواجهن كان الرد المناسب هو الطلاق، وهناك مشاكل كثيرة تحدث عند عقد قران بعضهن، فالزوج يشترط راتبها له والولي يشترط ذلك، وهناك زيجات فشلت بسبب عدم الاتفاق، وبعضها تمت بتسوية ينال بموجبها كل ذكر منهما نصف الراتب، وهناك كثير من العاطلين بسبب قصورهم التعليمي، أو (دشرتهم) يسعى أهلوهم إلى تزويجهم من معلمة أو موظفة لتصرف عليه مرغمة، على اعتبار أن الذكر عندنا لا يوجد ما يعيبه، حتى ولو كان لا يغادر السجن إلا في إجازات قصيرة.
ولأن ذكورنا لا يفرطون في عاداتهم، فإن الاستيلاء على راتب ابنته أو زوجته أو أخته يرافقه إلى أي مكان ينتقل إليه، حتى إن بعض المبتعثات يتولى محرمها سلب مكافأتها في بلاد الغربة، أما حرمانها من الإرث فقد كان وما زال قاعدة منذ أجداد الأجداد، وقد يكون مبررا أيام الفقر والحرص على الأرض للزراعة بصفتها مصدر الرزق الوحيد آنذاك، لكن قانون (العيب) في هذا الباب ما زال يضرب بمخالبه في قلوب النساء ويحرمهن من هذا الحق، وإن تجرأت إحداهن وطلبت فلا مجال أمامها سوى المحكمة، وفوق ذلك مقاطعتها من قبل ذكور أهلها إلى يوم الدين، مع تشويه سمعتها والدعوة إلى احتقارها ونبذها اجتماعيا، وأحيانا يتم ذلك باسم الدين.
الوعاظ والخطباء في المنطقة كثر، وقد أصبحوا يعظون حتى في حفلات الزواج، لكنهم مشغولون بأمور المسلمين في الشيشان والبوسنة وأفغانستان والمجاهدين وقصص الشهداء، وإن لامسوا الواقع المحلي فلا يتجاوزون طاعة الزوج، وتحريم السفور، وعذاب القبر، والحث على التبرع لحلقات التحفيظ التي يشرفون عليها، وكثير منهم يعظ وبطاقة صراف زوجته في جيبه (التقي)!
إمام جامع قريتنا الأخ علي غرم الله - جزاه الله خيرا - تجرأ في الجمعة الماضية وناقش هذا الموضوع، وأوضح حكم الإسلام فيه، وليته يستمر ويعيد ويلح، ويضرب أمثلة - دون أسماء - من الواقع الذي يعرفه (الجماعة)، وليت كل الخطباء يفعلون مثله مع (جماعات مساجدهم) فهذا ظلم وفساد اجتماعي لا يصح السكوت عنه، وليت صوت خطيب قريتنا يصل إلى جميع نسائها اللواتي كبلهن الخوف و(العيب) وحرمهن من حقوقهن البديهية، ومثلهن نساء كثيرات في قرى أخرى ومدن، وليت وزارة الشؤون الإسلامية توجه خطباء الجوامع إلى الأمور التي تهم الناس في حياتهم ومعاشهم اليومي، والمظالم التي يتعرضون لها من بعضهم بعضا تحت سطوة العادات والتقاليد البالية، وليت وسائل الإعلام تكثف جهودها لتنوير النساء بحقوقهن، وتعليمهن أن كثيرا من الأحاديث والآراء والاجتهادات الفقهية التي يسمعنها من كثير من الوعاظ والواعظات هدفها مصادرة شخصياتهن الإنسانية باسم الدين، وإخضاعهن لسلطة الذكور، وحقنهن بالخنوع والذل وعدم الكفاءة لإدارة أمور حياتهن، وأن معظم تلك الأحاديث ضعيفة، والاجتهادات والآراء غير صحيحة، فضلا عن أن كثيرا من مروجيها هم من الظلمة الواضحين لمحارمهم، وأن ما يقولونه من دعوات إخضاع للمرأة باسم الدين، إنما هو تبرير لأفعالهم.
وأخيرا، ليت كل النساء المقصودات بمقالي هذا يقرأنه، ويتأملن ويفكرن في أحوالهن، ويدركن أن الشرع وقوانين البلاد تسمح لهن، بل وتساندهن لإحراق خيمة الظلم التي وضعتهن داخلها بعض العادات والقوانين الاجتماعية، وإنني أرجو أن تدفع كل منهن بهذا المقال إلى (ظالمها)، سواء كان زوجا أو أبا أو أخا لكي يقرأه فلربما استخدم عقله للمرة الأولى في حياته، وإنني أبيح لأي منهن أن تشتمني أثناء محاولتها إبلاغ الرسالة، حتى لا تتعرض لردة فعل عنيفة تتجاوز مسألة حقوقها (المصادرة) إلى تشويه وجهها بلكمة خطافية، أو لسعة (عقال) ليس في رأس حامله إلا كومة (جهل) متوارثة.

نقلاً عن صحيفة "مكة"

www.makkahnewspaper.com/makkahNews/writing22/68784#.U_Lgw7jpceE

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.