.
.
.
.

هم أحق من غيرهم بالصدقات !

محمد أحمد الحساني

نشر في: آخر تحديث:

يعارض بعض الإخوة عملية التصدق على عمال النظافة الذين يقف بعضهم ضارعا عند الإشارات أو عند أبواب المحلات، مستجديا عطف المارة من أصحاب السيارات أو المتسوقين الخارجين من تلك المحلات؛ بحجة أن أولئك العمال يتركون عملهم وهو القيام بأعمال النظافة ويتفرغون للتسول.
وأرى أن هذه المعارضة لا تأخذ في الحسبان عدة أمور، يأتي في مقدمها الأسباب التي أدت إلى اضطرار هذه الفئة من العمالة الوافدة لامتهان التسول، ولماذا لم يظهر ذلك إلا في السنوات الأخيرة، وهل صحيح أن العامل يترك عمله الأساسي الذي استقدم من أجله ليمارس التسول، وكيف تغاضت عنه المؤسسة التي استقدمته إثر توقيعها عقد نظافة مع الأمانات أو البلديات، وهي تراه يترك عمله الذي جاء من أجله ويأخذ عليه أجرا شهريا، ليدور في الشوارع من أجل التسول؟!
إن معرفة الأسباب وإعطاء جواب يغطي مثل هذا الاستفسار قد يجعل المسألة أكثر وضوحا ويضع الأصبع على الجرح، فإذا جئنا للأجور الشهرية التي يأخذها عمال النظافة فإننا نجدها زهيدة جدا، مع أنه لم يحصل على تأشيرة العمل التي تمكنه من القدوم إلى المملكة عن طريق المؤسسة التي استقدمته إلا بعد أن يكون قد دفع «دم قلبه» لأكثر من جهة حتى يفوز بالتأشيرة، وربما اضطر لبيع أبقاره أو بيته القروي المتواضع أو شيء غالٍ عنده أو الحصول على قرض ليوفي المبلغ المطلوب للفوز بالتأشيرة، وربما يحتاج للعمل عامين لجمع عشرة آلاف ريال كان قد أنفقها من أجره للتأشيرة؛ لأن أجره الشهري لا يزيد على أربعمائة أو خمسمائة ريال، وعليه أن يجمعه كاملا لمدة عامين حتى يغطي ما عليه من حقوق أو يعوض أهله عما خسره من بيع لداره أو أبقاره ومن أجل الوفاء بالدين الذي عليه، فمن يقف وراء اضطرار هؤلاء المساكين لدفع دماء قلوبهم حتى يحصلوا على تأشيرات العمل المطلوبة، مع أن الحاجة إليهم هي التي كانت وراء استقدامهم للعمل في مهنة لا يقوم بها أي مواطن أو حتى مقيم إقامة نظامية طويلة الأمد، ولولا بؤس وفقر وفاقة أولئك المساكين لما قبلوا بالغربة للعمل في مهنة النظافة، فكيف تستغل حاجتهم للعمل بهذه الطريقة ثم لا يعطون سوى أجر زهيد لا يقابل ما يبذلونه من جهد وما يقومون به مع عمل مهم جدا، ولو تقاعسوا عن القيام به لأيام لارتفعت فيها القمائم إلى مستوى الرؤوس؟! ولتفشت الأمراض ولساء مستوى صحة البيئة.
أما بخصوص تركهم لعملهم والانشغال عنه بالشحاذة، فإن واقع الأمر يؤكد أن مؤسستهم لا تسمح لهم بذلك خلال ساعات العمل، ولديها مراقبون ومفتشون، ولكنها تغض النظر عن تسولهم بعد نهاية دوامهم؛ لأنها تعلم أن أجورها زهيدة، وأنها لو عارضت تسولهم فقد يتوقفون عن العمل فتدفع هي الثمن، وهي ــ في الوقت نفسه ــ «مرتاحة» لقبولهم بتلك الأجور المتدنية؛ لأنهم يعوضون عن تدنيها بما يحصلون عليه من الشحاذة، فالتفاهم بين الطرفين قائم على قدم وساق!
وعلى أية حال، فإني أرى أنهم مستحقون للزكوات والصدقات أكثر من أي فئة أخرى من فئات الشحاذين؛ لأنهم فعلا من المساكين.. فماذا ترون؟!.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20140824/Con20140824719287.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.